الأحد، 18 ديسمبر 2022

كتاب الفوائد محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله

 من مشكاة

كتاب الفوائد محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله /

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ محي الدين السنة قامع البدعة أبو عبد الله الشهير بابن قيم الجوزية رحمه الله ورضى عنه
قاعدة جليلة اذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه
والق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه اليه فانه خاطب منه لك على لسان رسوله قال تعالي ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد وذلك ان تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله ان في ذلك لذكري اشار الى ما تقدم من أول السورة الى ههنا وهذا هو المؤثر وقوله لمن كان له قلب فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى إن هو الا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا أي حي القلب وقوله أو ألقى السمع أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه الى ما يقال له وهذا شرط التأثر بالكلام وقوله وهو شهيد أي شاهد القلب حاضر غير غائب قال ابن قتيبة استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه وهو اشارة الى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله فاذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر

فان قيل اذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في قوله
أو القى السمع والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو فأن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف الذين قيل فيهم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل اليك من ربك هو الحق وقال في حقهم الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فهذا نور الفطرة على نور الوحي وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي قال ابن القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج الى شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته ان يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ انه الحق فالأول حال من رأى بعينه ما دعى اليه وأخبر به والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في مقام الايمان والأول في مقام الاحسان هذا قد وصل الى علم اليقين وترقي قلبه منه الى فنزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الاسلام فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة فالحاصل في الدنيا نسبته الى القلب كنسبة الشاهد

الى العين وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالابصار وفي لدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين
فصل وقد جمعت هذه السورة من أصول الايمان ما يكفي ويشفي ويغني عن
كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول فانها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوة والايمان بالملائكة وانقسام الناس الى هالك شقي وفائز سعيد وأوصاف هؤلاء وهؤلاء وتضمنت اثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد كمله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى والعالمين الأكبر وهو عالم الآخرة والأصغر وهو عالم الدنيا وذكر فيها خلق الانسان ووفاته واعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده واحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه واقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها وانه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه اليه وشاهد يشهد عليه فاذا أحضره السائق قال هذا ما لدى عتيد أي هذا الذي أمرت باحضاره قد احضرته فيقال عند احضاره القيا في جهنم كل كفار عنيد كما يحضر الجاني الي حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول اذهبوا به الى السجن وعاقبوه بما يستحقه
وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي كفرت بعينها لا انه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم ان الله سبحانه يخلق بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من أعراض البدن فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن

وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالي وهذا في الحقيقة انكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين فانهم لم ينكروا قدرة الله علي خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها كيف وهم يشهدون النوع الانساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق الله سبحانه أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عيانا وانما تعجبوا من عودهم باعيانهم بعد أن مزقهم البلي وصاروا عظاما ورفاتا فتعجبوا ان يكونوا هم باعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون وقالوا ذلك رجع بعيد ولو كان الجزاء انما هو لاجسام غير هذه ل يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم يكن لقوله قد علمنا ما تنقص الأرض منهم كبير معني فأنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو انه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالارض واستحالت الي العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه انه قد علم ما تنقصه الارض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وانه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فان شبه المنكرين له كلها تعود الى ثلاثة أنواع أحدها اختلاط اجزائهم بأجزاء الارض علي وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص الثاني ان القدرة لا تتعلق بذلك الثالث ان ذلك أمر لا فائدة فيه أو انما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الانساني شيئا بعد شيء هكذا ابدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما ان يميت النوع الانساني كله ثم يحيه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك فجاءت براهين المعاد في القرآن مبينة على ثلاثة أصول أحدها تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم وقال وان الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ان ربك هو الخلاق العليم وقال قد علمنا

ما تنقص الأرض منهم والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله بلي قادرين على أن نسوي بنانه وقوله ذلك بأن الله هو الحق وانه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين وقوله وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا وقوله أيحسب الانسان أن يترك سدى وقوله أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ولهذا كان الصواب ان المعاد معلوم بالعقل مع الشرع وان كمال الرب تعالي وكمال اسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم فهم في أمر مريج مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم الي النظر في العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم الى العالم السفلي وهو الارض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها بالجبال وأودع فيها المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة اذا تأملها العبد المنيب وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما اخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد فالناظر فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وان هذا لا يحصل الا لعبد منيب الي الله بقلبه وجوارحه ثم دعاهم الي التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتي أنبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به

الحبوب كلها علي تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها واشكالها ومقاديرها ثم أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفي علي المتأمل وأحيا به الارض بعد موتها ثم قال كذلك الخروج أي مثل هذا الاخراج من الارض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الارض بعد ما غيبتم فيها وقد ذكرنا هذا القياس وامثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم وبينا بعض ما فيها من الاسرار والعبر ثم انتقل سبحانه الي تقرير النبوة باحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهه وشك فأخبر انه ارسل الى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فاهلكهم بأنواع الهلاك وصدق فيهم وعيده الذي أو عدتهم به رسله ان لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا الا سؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بانه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه انه باهت مباحث جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فانكاره بمنزلة انكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية ثم عاد سبحانه الي تقرير المعاد بقوله أفعيينا بالخلق الأول يقال لكل من عجز عن شيء عيى به وعيى فلان بهذا الأمر قال الشاعر
عيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى ولم يعي بخلقهن قال ابن عباس يريد افعجزنا وكذلك قال مقاتل قلت هذا تفسير بلازم اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن اعرف كذا وعييت به اذا لم تهتد له لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعياني دواؤك اذا لم تهتد ولم تقف عليه ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن

بيضتها ولكن أعيادها اذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة فهي تدور وتجول حتى ترمي بها فاذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال فهي تنقلها من مكان الى مكان وتحار أين تجعل مقرها كما هو حال من عي بأمره فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه وليس المراد بالاعياء في هذه الآية التعب كما يظنه من لم يعرف تفسير القرآن بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله وما مسنا من لغوب ثم أخبر سبحانه انهم في لبس من خلق جديد أي أنهم التبس عليهم اعادة الخلق خلقا جديدا ثم نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد وهو خلق الانسان فانه من أعظم الأدلة علي التوحيد والمعاد وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والارادات والصناعات كل ذلك من نطفة ماء فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله واسمائه وصفاته ثم أخبر سبحانه عن احاطة علمه به حتى علم وساوس نفسه ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والاحاطه وان ذلك أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن أى ملائكتنا كما قال فاذا قرأناه فاتبع قرآنه اى اذا قرأه عليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله اذ يتلقى المتلقيان فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين ولو كان المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين فلا في صحبه الآية لحلولى ولا معطل ثم أخبر سبحانه أن على يمينه وشماله ملكين يكتبان أعماله وأقواله ونبه باحصاء الاقوال وكتابتها على كتابة الاعمال التي هي أقل وقوعا وأعظم أثرا من الاقوال وهي غايات الاقوال ونهايتها ثم أخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت وانها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه والثواب والعقاب الذي تعجل

لها قبل القيامة الكبرى ثم ذكر القيامة الكبرى بقول ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد ثم أخبر عن أحوال الخلق فى هذا اليوم وان كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان عليها له عليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين فان الله سبحانه يستشهد على العبد الحفظة والأنبياء والأمكنة التى عملوا عليها الخير والشر والجلود التى عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين
ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما سمعه من اقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد علمه فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد علمه من غير بينة ولا اقرار ثم أخبر سبحانه ان الانسان فى غفلة من هذا الشأن الذى هو حقيق بأن لا يغفل عنه وان لا يزال على ذكره وباله وقال فى غفلة من هذا ولم يقل عنه كما قال وانهم لفى شك منه مريب ولم يقل فى شك فيه وجاء هذا فى المصدر وان لم يجىء فى الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه وهذا أبلغ من أن يقال فى غفلة عنه وشك فيه فإنه جعل ما ينبغى أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشك ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبه كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبه كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه ثم أخبر سبحانه أن قرينه وهو الذى قرن به فى الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما يحضره هذا الذى كنت وكلتنى به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به هذا قول مجاهد وقال ابن قتيبة المعنى هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندى والتحقيق ان الآية نتضمن الأمرين اى هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيته عليه فحينئذ يقال ألقيا فى جهنم وهذا اما أن يكون خطابا للسائق والشهيد

أو خطابا للملك الموكل بعذابه وان كان واحدا وهو مذهب معروف من مذاهب العرب فى خطابها أو تكون الالف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة ثم أجري الوصل مجري الوقف ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده واسمائه وصفاته كفار برسله وملائكته كفار بكتبه ولقائه الثانية انه معاند للحق بدفعه جحدا وعنادا الثالثة انه مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذى هو احسان الى نفسه من الطاعات والقرب الى الله والخير الذى هو احسان الى الناس فليس فيه خير لنفسه ولا لبنى جنسه كما هو الحال أكثر الخلق الرابعة أنه مع منعه للخير معتد على الناس ظلوم غشوم معتد عليهم بيده ولسانه الخامسة انه مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو آت لكل ريبة يقال فلان مريب اذا كان صاحب ريبة السادسة انه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله الها آخر يعبده ويحبه ويغضب له ويرضي له ويحلف باسمه وينذر له ويوالي فيه ويعادى فيه فيختصم هو وقرينه من الشياطين ويحيل الامر عليه وانه هو الذى أطغاه وأضله فيقول قرينه لم يكن لى قوة أن أضله وأطغيه ولكن كان فى ضلال بعيد اختاره لنفسه وآثره على الحق كما قال ابليس لاهل النار وما كان لى عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي وعلي هذا فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله وقالت طائفة بل قرينه ههنا هو الملك فيدعى عليه انه زاد عليه فيما كتبه عليه وطغى وانه لم يفعل ذلك كله وانه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله حتى يتوب فيقول الملك ما زدت فى الكتابة على ما عمل ولا أعجلته عن التوبة ولكن كان فى ضلال بعيد فيقول الرب تعالي لا تختصموا لدى وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين بين يديه فى سورة الصافات والأعراف واخبر عن اختصام الناس بين يديه فى سورة الزمر وأخبر عن اختصام أهل النار فيها فى سورة الشعراء وسورة ص ثم اخبر سبحانه انه لا يبدل القول لديه فقيل المراد بذلك قوله لاملأن جهنم من الجنة والناس

أجمعين ووعده لاهل الايمان بالجنة وان هذا لا يبدل ولا يخلف قال ابن عباس يريد مالو عدي خلف لاهل طاعتى ولا أهل معصيتي قال مجاهد قد قضيت ما أنا قاض وهذا اصح القولين فى الآية وفيها قول آخر ان المعنى ما يغير القول عندى بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكام فيكون المراد بالقول قول المختصمين وهو اختيار الفراء وابن قتيبة قال الفراء المعني ما يكذب عندى لعلمى بالغيب وقال ابن قتيبة اى ما يحرف القول عندى ولا يزاد فيه ولا ينقص منه قال لانه قال القول عندى ولم يقل قولي وهذا كما يقال لا يكذب عندى فعلي القول الاول يكون قوله وما انا بظلام للعبيد من تمام قوله ما يبدل القول لدى فى المعنى أى ما قلته ووعدت به لا بد من فعله ومع هذا فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه بأمرين أحدهما ان كمال علمه واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه وكمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده ثم أخبر عن سعة جهنم وانها كلما القى فيها تقول هل من مزيد وأخطأ من قال ان ذلك للنفى اى ليس من مزيد والحديث الصحيح يرد هذا التأويل ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين وان أهلها هم الذين اتصفوا بهذه الصفات الاربع أحداها ان يكون أوابا أي رجاعا الى الله من معصيته الى طاعته ومن الغفلة عنه الي ذكره قال عبيد بن عمير الاواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها وقال مجاهد هو الذي اذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه وقال سعيد بن المسيب هو الذى يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب الثانية ان يكون حفيظا قال ابن عباس لما ائتمنه الله عليه وافترضه وقال قتادة حافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته ولما كانت النفس لها قوتان قوة الطلب وقوة الامساك كان الأواب مستعملا لقوة الطلب فى رجوعه الى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مستعملا لقوة الحفظ فى الامساك عن معاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك نفسه عما حرم عليه والأواب المقبل على الله بطاعته الثالثة

قوله من خشى الرحمن بالغيب يتضمن الاقرار بوجوده وربوبيته وقدرته وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد ويتضمن الاقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه ويتضمن الاقرار بوعده ووعيده ولقائه فلا تصح خشية الرحمن بالغيب الا بعد هذا كله الرابعة قوله وجاء بقلب منيب قال ابن عباس راجع عن معاصى الله مقبل علي طاعة الله وحقيقة الانابة عكوف القلب علي طاعة الله ومحبته والاقبال عليه ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ثم خوفهم بان يصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبلهم وانهم كانوا أشد منهم بطشا ولم يدفع عنهم الهلاك شدة بطشهم ولهم عند الهلاك تقلبوا وطافوا فى البلاد وهل يجدون محيصا ومنجى من عذاب الله قال قتادة حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا وقال الزجاج طوفوا وفتشوا فلم يرو محيصا من الموت وحقيقة ذلك أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوه ثم أخبر سبحانه ان فى هذا الذى ذكر ذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ثم أخبر انه خلق السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا اعياء تكذيب لاعدائه من اليهود حيث قالوا انه استراح فى اليوم السابع ثم أمر نبيه بالتأسى به سبحانه فى الصبر على ما يقول اعداؤه فيه كما انه سبحانه صبر على قول اليهود انه استراح ولا أحد أصبر علي أذى يسمعه منه ثم أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ربه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وبالليل وأدبار السجود فقيل هو الوتر وقيل الركعتان بعد المغرب والاول قول ابن عباس والثاني قول عمر وعلي وأبي هريرة والحسن بن على واحدي الروايتين عن ابن عباس وعن ابن عباس رواية ثالثة انه التسبيح باللسان أدبار الصلاة المكتوبات ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء المنادى برجوع الأرواح الي أجسادها للحشر وأخبر ان هذا النداء من مكان قريب يسمعه كل أحد يوم يسمعون الصيحة بالحق

بالبعث ولقاء الله يوم تشقق الارض عنهم كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعا من غير مهلة ولا بطء ذلك حشر يسير عليه سبحانه ثم أخبر سبحانه انه عالم بما يقول اعداؤه وذلك يتضمن مجازاته لهم بقولهم اذ لم يخف عليه وهو سبحانه يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجزاء ثم أخبره انه ليس بمسلط عليهم ولا قهار ولم يبعث ليجبرهم على الاسلام ويكرههم عليه وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو الذي ينتفع بالتذكير وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير فائدة
قول النبى لعمر وما يدريك ان الله اطلع علي أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أشكل علي كثير من الناس معناه فأن ظاهره

إباحة كل الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤا منها وذلك ممتنع فقالت طائفة منهم ابن الجوزي ليس المراد من قوله اعملوا الاستقبال وانما هو للماضي وتقديره أي عمل كان لكم فقد غفرته قال ويدل على ذلك شيئان أحدهما أنه لو كان للمستقبل كان جوابه قوله فسأغفر لكم والثانى انه كان يكون اطلاقا فى الذنوب ولا وجه لذلك وحقيقة هذا الجواب اني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم لكنه ضعيف من وجهين أحدهما ان لفظ اعملوا يأباه فانه للاستقبال دون الماضى وقوله قد غفرت لكم لا يوجب أن يكون اعملوا مثله فان قوله قد غفرت تحقيق لوقوع المغفرة فى المستقبل كقوله أتي أمر الله وجاء ربك ونظائره الثاني أن نفس الحديث يرده فان سببه قصة حاطب

وتجسسه علي النبى وذلك ذنب واقع بعد غزوة بدر لا قبلها وهو سبب الحديث فهو مراد منه قطعا فالذي نظن فى ذلك والله أعلم ان هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الاسلام وانهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لانه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار علي القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك الى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل اسباب المغفرة ونظير هذا قوله فى الحديث الآخر أذنب عبد ذنبا فقال أى رب أذنبت ذنبا فاغفره لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أى رب أصبت ذنبا فاغفر لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب أصبت ذنبا فاغفره لى فقال الله علم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء فليس فى هذا اطلاق واذن منه سبحانه له فى المحرمات والجرائم وانما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب تاب

واختصاص هذا العبد بهذا لانه قد علم انه لا يصر على ذنب وانه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لاهل بدر وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة اطلاق الذنوب والمعاصى له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر فلهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها الى الموت ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الاطلاق الاذن فيما شاؤا من الأعمال
فائدة جليلة قوله تعالى
هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور أخبر سبحانه أنه جعل الارض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها والبناء عليها ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها واخبر سبحانه انه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وأخبر أنه دحاها وطحاها واخرج منها ماءها ومرعاها وثبتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق وأجرى فيها الأنهار والعيون وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ومن بركتها ان الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها ومن بركاتها انك تودع فيها الحب فتخرجه لك أضعاف أضعاف ما كان ومن بركاتها انها تحمل الأذى علي ظهرها وتخرج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتواري منه كل قبيح وتخرج له كل مليح ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه وتخرج له طعامه وشرابه فهى أحمل شىء للأذى وأعوده بالنفع فلا كان من التراب خير منه وأبعد من الأذى وأقرب الى الخير

والمقصود انه سبحانه جعل لنا الارض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا فالماشي عليها يطأ علي مناكبها وهو أعلى شيء فيها ولهذا فسرت المناكب بالجبل كمناكب الانسان وهي أعاليه قالوا وذلك تنبيه علي أن المشي في سهولها أيسر وقالت طائفة بل المناكب الجوانب والنواحي ومنه مناكب الانسان لجوانبه والذي يظهر ان المراد بالمناكب الأعالي وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الارض دون الوجه المقابل له فان سطح الكره أعلاها والمشي انما يقع في سطحها وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول ثم أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله وإليه النشور على انا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن ان نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه الى دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه واحسانه والتحذير من الركون الى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها السير الى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السير اليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه والاعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وانه يحي أهلها بعد ما أماتهم واليه النشور
فائدة للانسان قوتان قوة علمية نظرية وقوة عملية ارادية وسعادته
التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال القوة العلمية انما يكون بمعرفة

فاطره وبارئه ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة الطريق التي توصل اليه ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها استكمال القوة العلمية الارادية لا تحصل الا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها اخلاصا وصدقا ونصحا واحسانا ومتابعة وشهودا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه انها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك وانه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين الا بمعونته فهو مضطر الى ان يهديه الصراط المستقيم الذي هدى اليه أولياءه وخاصته وان يجنبه الخروج عن ذلك الصراط اما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال واما في قوته العملية فيوجب له الغضب
فكمال الانسان وسعادته لا تتم الا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة الفاتحة وأنتظمتها أكمل انتظام فان قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يتضمن الاصل الاول وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة اسمائه وصفاته وأفعاله والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الاسماء الحسنى وهي اسم الله والرب والرحمن فأسم الله متضمن لصفات الألوهية واسم الرب متضمن الربوبية واسم الرحمن متضمن لصفات الاحسان والجود والبر ومعاني أسمائه تدور لى هذا وقوله إياك نعبد وإياك نستعين يتضمن معرفة الطريق الموصلة اليه وانها ليست الا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته وقوله إهدنا الصراط المستقيم يتضمن بيان ان العبد لا سبيل له الى سعادته الا باستقامته على الصراط المستقيم وانه لا سبيل له الي الاستقامة الا بهداية ربه له كما لا سبيل له الى عبادته بمعونته فلا سبيل له الي الاستقامة علي الصراط الا بهدايته وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم وان الانحراف الى احد الطرفين انحراف الي الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف الى الطرف الآخر انحراف الي الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل

فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية وحظه منها على قدر حظه من الرحمة فعاد الأمر كله الى نعمته ورحمته والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون الا رحيما منعما وذلك من موجبات الهيته فهو الأله الحق وان جحده الجاحدون وعدل به المشركون فمن تحقق بمعاني الفاتحة علما ومعرفة وعملا وحالا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين والله المستعان
فائدة الرب تعالى يدعو عباده في القرآن الي معرفته من طريقين احدهما
النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأول كقوله ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الي آخرها وقوله إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وهو كثير في القرآن والثاني كقوله أفلا يتدبرون القرآن وقوله أفلم يدبروا القول وقوله كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وهو كثير أيضا
فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات فان المفعول يدل علي فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختيارى من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا ارادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على ارادة الفاعل وان فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والاحسان والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والأنتقام والعقوبة دال

على غضبه وما فيها من الاكرام والتقريب والعناية دال على محبته وما فيها من الاهانة والابعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه الى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على امكان المعاد وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهه علي الاستدلال بالآيات المصنوعات قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم انه الحق أي أن القرآن حق فاخبر انه لا بد من ان يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين علي صدق رسوله فآياته شاهدة بصدقة وهو شاهد بصدق رسوله بآياته وهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول عليه فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب لدليل على من هو دليل علي كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجده أظهر منه ولهذا قال الرسل لقومهم أفي الله شك فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل فالأشياء عرفت به في الحقيقة وان كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله واحكامه عليه
فائدة في المسند وصحيح أبي الحاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال
قال رسول الله ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم اني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت

به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن ان يتعلمهن فتضمن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية منها ان الداعي به صدر سؤاله بقوله اني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته الى ابويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بانه مملوكه وآباؤه مماليكه وان العبد ليس له غير باب سيده وفضله واحسانه وان سيده ان اهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه احد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت هذا الاعتراف اني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لى من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي انا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهى انما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار واما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون اليه سبحانه في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقوله وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا ومن عداهم عبيد القهر والربوبية فاضافتهم اليه كاضافة سائر البيوت الى ملكه واضافة أولئك كاضافة البيت الحرام اليه اضافة ناقته اليه وداره التي هي الجنة اليه واضافة عبودية رسوله اليه بقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا سبحان الذي أسرى بعبده وإنه لما قام عبد الله يدعوه وفي التحقيق بمعنى قوله اني عبدك التزام عبوديته من الذل والخضوع والانابة وامتثال امر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار اليه واللجأ اليه والاستعانة به والتوكل عليه وعياذ العبد به ولياذه به وان لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلي بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي ايضا ان مالي ونفسي ملك لك فان العبد وما

يملك لسيده وفيه ايضا انك أنت الذي مننت علي بكل مل انا فيه من نعمة فذلك كله من انعامك على عبدك وفيه ايضا اني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي الا بأمرك كما لا يتصرف العبد الا باذن سيده واني لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فان صح له شهود ذلك فقد قال اني عبدك حقيقة ثم قال ناصيتي بيدك أي انت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست انا المتصرف في نفسي وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله اليه سبحانه ليس الى العبد منه شيء بل هو في قبضة سيده اضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك ومتى شهد العبد ان ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته الى ربه وصفا لازما له ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر اليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ولذا قال هود لقومه اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك تضمن هذا الكلام أمرين أحدهما مضاء حكمه في عبده والثاني يتضمن حمده وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد وهذا معنى قول نبيه هود ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ثم قال ان ربي على صراط مستقيم أي مع كونه مالكا قاهرا متصرفا في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم وهو العدل الذي يتصرف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه كله ومفسدة وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته وفرق بين

الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل لقضاء فان حكمه سبحانه يتناول حكمه الدينى الشرعى وحكمه الكونى القدرى والنوعان نافذان في العبد ان ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء ام أبي لكن الحكم الكونى لا يمكنه مخالفته واما الديني الشرعى فقد يخالفه
ولما كان القضاء هو الاتمام والاكمال وذلك انما يكون بعد مضيه ونفوذه قال عدل في قضاؤك أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه واما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه فان كان حكما دينيا فهو ماض فى العبد وان كان كونيا فان نفذه سبحانه مضي فيه وان لم ينفذه اندفع عنه فهو سبحانه يقضى ما يقضى به وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمر ولا يستطيع تنفيذه وهو سبحانه يقضي ويمضى فله القضاء والامضاء وقوله عدل فى قضاؤك يتضمن جميع أقضيته فى عبده من كل الوجوه من صحة وسقم وغني وفقر ولذة وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك قال تعالي وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم وقال وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور فكل ما يقضى علي العبد فهو عدل فيه
فان قيل فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل فى قضائها فان العدل فى العقوبة عليها ظاهر قيل هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة ان العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته قالوا لان الظلم هو التصرف فى ملك الغير والله له كل شيء فلا يكون تصرفه فى خلقه الا عدلا وقالت طائفة بل العدل انه لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم انه ليس بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه علي الذنب بالعقوبة والذم إما فى الدنيا وإما فى الآخرة وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر فزعموا ان من أثبت القدر لم يمكنه ان يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه ان يقول بالقدر كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد واثبات الصفات فزعموا انه لا يمكنهم اثبات التوحيد الا بانكار الصفات فصار توحيدهم تعطيلا

وعدلهم تكذيبا بالقدر وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو وضع الشيء فى غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه عنه فى غير موضع من كتابه وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعه اللائق به كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما اذا قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة وقد استوفينا الكلام فى هذا فى كتابنا الكبير فى القضاء والقدر
والمقصود أن قوله ماض فى حكمك عدل فى قضاؤك رد على الطائفتين القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله فى عبده ويخرجون أفعال العباد عن كونها بقضائه وقدره ويردون القضاء الى الأمر والنهى وعلى الجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله عدل فى قضاؤك فائدة فان العدل عندهم كل ما يمكن

فعله والظلم هو المحال لذاته فكأنه قال ماض ونافذ فى قضاؤك وهذا هو الأول بعينه وقوله أسألك بكل اسم الي آخره توسل اليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم وهذه أحب الوسائل اليه فانها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هى مدلول اسمائه وقوله ان تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى الربيع المطر الذي يحيى الأرض شبه القرآن به لحياة القلوب به وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذى تحصل به الحياة والنور الذى تحصل به الاضاءة والاشراق كما جمع بينهما سبحانه فى قوله أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه فى النار ابتغاء حلية وفى قوله مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ثم قال أو كصيب من السماء وفي قوله الله نور السموات والارض مثل نوره الآيات ثم قال ألم تر أن الله يزجي السحاب ثم يؤلف بينه الآية فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وان ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها
ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه الى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه الي الصدر ثم الى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فانها أحرى أن لا تعود وأما اذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فانها تعود بذهاب ذلك والمكروه الوارد على القلب ان كان من أمر ماض أحدث الحزن زان كان من مستقبل أحدث الهم وان كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم

فائدة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا
وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله ولذلك صلح لاستوائه عليه وكل ما كان أقرب الى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش اذ هو سقفها وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير وخلق الله القلوب وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وارادته فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وارادته قال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم وقال تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم وقال تعالى ليس كمثله شيء فهذا من المثل الأعلى وهو مستو علي قلب المؤمن فهو عرشه وان لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلي عليه معرفة ومحبة وارادة فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وارادتها والتعلق بها فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتي تعود القلوب علي قلبين قلب هو عرش الرحمن ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو حزين علي ما مضى مهموم بما يستقبل مغموم في الحال وقد روى الترمذي وغيره عن النبي أنه قال اذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال الانابة الى دار الخلود والتجاني عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله والنور الذي يدخل القلب انما هو آثار المثل الأعلى فلذلك ينفسخ وينشرح واذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق

فائدة تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها اليه مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا علي أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر و يقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة اليه لا تتحرك في ذرة الا باذنه ولا تسقط ورقة الا بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف اليهم بأسمائه وصفاته ويتححب اليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما اعد لهم من الكرامة ان اطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة ان عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو الى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم اليه وشدة حاجتهم اليه من كل وجه وانهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وانه الغنى بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير اليه بنفسه وانه لا ينال احد ذرة من الخبر فما فوقها الا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها الا بعدله وحكمته ويشهد من خطابه عتابه لاحبابه الطف عتاب وانه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم اعذارهم ومصلح فسادهم والدافع

عنهم والمحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وانه وليهم الذي لا ولى لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم علي عدوهم فنعم المولى ونعم النصير فاذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شانه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق انفاسها في التودد اليه ويكون احب اليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق اليه والأنس به هو غذائها وقوتها ودواؤها بحيث ان فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها
فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده وهذا كما انه
في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والارادات فاذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما ان اللسان اذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه الا اذا فزع لسانه من النطق بالباطل وكذلك الجوارح اذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة الا اذا فرغها من ضدها فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وارادته والشوق إليه والأنس به إلا يمكن شغله بمحبة الله واردته وحبه والشوق الى لقائه لا بتفريغه من تعلقه بغيره ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته الا اذا فرغها من ذكر غيره وخدمته فاذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبقى فيها موضع للشغل بالله ومعرفة اسمائه وصفاته وأحكامه وسر ذلك ان اصغاء القلب كاصغاء الأذن فاذا صغى الى غير حديث الله لم يبق فيه اصغاء ولا فهم لحديثه كما اذا مال الى غير محبة الله لم يبق فيه ميل الى محبته فاذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان ولهذا في الصحيح عن النبي انه قال لان يمتلىء جوف احدكم قيحا حتي يريه خير له من أن يمتلىء

شعرا فبين أن الجوف يمتلىء بالشعر فكذلك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات ونحوها واذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا فتعدته وجاوزته الي محل سواه كما اذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فانه فيه لا يقبلها ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة ولذلك قيل
نزه فؤادك من سوانا تلقنا ... فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق
فائدة قوله تعالى ألهاكم التكاثر الى آخرها أخلصت هذه السورة للوعد
الوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها فقوله تعالى ألهاكم أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فيه فان الالهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه فان كان بقصد فهو محل التكليف وان كان بغير قصد كقوله في الخميصة انها ألهتني آنفا عن صلاتي كان صاحبه معذورا وهو نوع من النسيان وفي الحديث فلها عن الصبي أي ذهل عنه ويقال لها بالشيء أي اشتغل به ولها عنه اذا انصرف عنه واللهو للقلب واللعب للجوارح ولهذا يجمع بينهما ولهذا كان قوله ألهاكم التكاثر ابلغ في الذم من شغلكم فان العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به فاللهو هو ذهول واعراض والتكاثر تفاعل من الكثرة أي مكاثرة بعضكم لبعض واعرض عن ذكر المتكاثر به ارادة لاطلاقه وعمومه وان كل ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا التكاثر فالتكاثر في كل شيء من مال او جاه او رياسة او نسوة او حديث او

علم ولا سيما اذا لم يحتج اليه والتكاثر فى الكتب والتصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها والتكاثر ان يطلب الرجل ان يكون اكثر من غيره وهذا مذموم الا فيما يقرب الى الله فالتكاثر فيه منافسة فى الخيرات ومسابقة اليها وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير انه انتهى الي النبي وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى وهل لك من مالك الا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فافنيت او لبست فابليت تنبيه
من لم ينتفع بعينه لم ينتفع باذنه للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه وبين الناس فمن هتك الستر الذى بينه وبين الله حقك الله الستد الذي بينه وبين الناس للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه فينبغى له ان يسترضى ربه قبل لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله اليه اضاعة الوقت اشد من الموت لان اضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا واهلها الدنيا من أولها الى آخرها لا تساوى غم ساعة فكيف بغم العمر محبوب اليوم يعقب المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا أعظم الربح في الدنيا ان تشغل نفسك كل وقت بما هو أولي بها وأنفع لها فى معادها كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه المخلوق اذا خفته استوحشت منه وهربت منه والرب تعالى اذا خفته أنست به وقربت اليه لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا اخلاص لما ذم المنافقين دافع الخطرة فان لم تفعل صارت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صارت شهوة فحاربها فان لم تفعل صارت عزيمة وهمة فان لم تدافعها صارت فعلا فان لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها التقوي ثلاث مراتب احداها حمية القلب والجوارح عن الآثام

والمحرمات الثانية حميتها عن المكروهات الثالثة الحميه عن الفضول وما لا يعنى فالاولى تعطى العبد حياته والثانية تفيده صحته وقوته والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته
غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق
تضل عن الدقيق فهو م قوم ... فتقضى للمجل علي المدق
بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ... لابي ولا يشفع لى من الناس
اذا أيست وكاد اليأس يقطعني ... جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس
من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات لما طلب آدم الخلود فى الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين اذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد التوحيد وان الله هو الذى قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن الثاني مشهد العدل وانه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد الرحمة وان رحمته فى هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوة الرابع مشهد الحكمة وان حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس مشهد الحمد وان له سبحانه الحمد التام علي ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد العبودية وانه عبد محض من كل وجه تجرى عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه
قلة التوفيق وفساد الرأى وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر واضاعة الوقت ونفره الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع اجابة الدعاء وقسوة القلب ومحق البركة فى الرزق والعمر وحرمان العلم ولباس الذل واهانة العدو وضيق

الصدر والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت وطول الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والاحراق عن النار وأضداد هذه تتولد عن الطاعة
فصل طوبى لمن أنصف ربه فاقر له بالجهل فى علمه والآفات فى عمله
والعيوب فى نفسه والتفريط فى حقه والظلم فى معاملته فان آخذه بذنوبه رأى عدله وان لم يؤاخذه بها رأي فضله وان عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه فان قبلها فمنه وصدقة ثانية وان ردها فلكون مثلها لا يصلح ان يواجه به وان عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له وامساك عصمته عنه وذلك من عدله فيه فيرى فى ذلك فقره الى ربه وظلمه فى نفسه فان غفرها له فبمحض احسانه وجوده وكرمه ونكتة المسألة وسرها انه لا يري ربه الامحسنا ولا يرى نفسه الا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه واحسانه اليه وكل ما يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه المحبون اذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقيا لسكانها وكذلك المحب اذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته فى الدنيا وتودده اليه وتجدد رحمته وسقياه لمن كان ساكنا في تلك الأجسام البالية
فائدة الغيرة غيرتان غيرة على الشيء وغيرة من الشيء فالغيرة على
المحبوب حرصك عليه والغيرة من المكروه ان يزاحمك عليه فالغيرة على المحبوب لا تتم الا بالغيرة من المزاحم وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح المشاركة في حبه كالمخلوق واما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه فلا

يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد والغيرة المحمودة في حقه أن يغار المحب على محبته له ان يصرفها الى غيره أو يغار عليها ان يطلع عليها الغير فيفسدها عليه أو يغار على أعماله ان يكون فيها شيء لغير محبوبة أو يغار عليها ان يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو إعجاب او محبة لاشراف غيره عليها أو غيبته عن شهود منته عليه فيها
وبالجملة فغيرته تقتضي ان تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله وكذلك يغار علي أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبة فهذه الغيرة من جهة العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبة وأما غيرة محبوبه عليه فهي كراهية ان ينصرف قلبه عن محبته الى محبة غيره بحيث يشاركه في حبه ولهذا كانت غيرة الله ان يأتي العبد ماحرم عليه ولاجل غيرته سبحانه حرم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن لأن الخلق عبيده واماؤه فهو يغار علي امائه كما يغار السيد على جواريه ولله المثل الأعلي ويغار علي عبيده ان تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها
من عظم وقار الله في قلبه ان يعصيه وقره الله في قلوب الخلق ان يذلوه اذا علقت شروش المعرفة في ارض القلب نبتت فيه شجرة المحبة فاذا تمكنت وقويت أثمرت الطاعة فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين باذن الله ربها اول منازل القوم اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وأوسطها هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى والنور وآخرها تحيتهم يوم يلقونه سلام ارض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فان غرست شجرة الايمان والتقوى أورثت حلاوة الابد وان غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر من ارجع الى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك ولا تشرد عنه من هذه الأربعة فما رجع من رجع اليه بتوفيقه الا منها وما شرد من شرد عنه بخذلانه الا منها فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه

مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمرة وغرست نواه وكذلك تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره اليه انما العجب من مالك يتحبب الى مملوكه بصنوف انعامه ويتودد اليه بأنواع احسانه مع غناه عنه كفى بك عزا انك له عبد ... وكفى بك فخرا انه لك رب
فصل ايك والمعاصي فانها ازلت عز
إسجدوا وأخرجت اقطاع اسكن يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق الف سنة مازال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع فتاب عليه فرح ابليس بنزول آدم من لجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود كم بين قوله لآدم اني جاعل في الارض خليفة وقوله لك اذهب فمن تبعك منهم ما جرى على آدم هو المراد من وجوده لو لم تذنبوا يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك ولصالح ذريتك خلفتها يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك علي الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد علي الملوك يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب والبست خلعة العبودية وعسى أن تكرهوا يا آدم لم أخرج اقطاعك الي غيرك انما نحيتك عنه لا كمل عمارته لك وليبعث الي العمال نفقة تتجافى جنوبهم تالله ما نفعه عند معصيته عز
اسجدوا ولا شرف وعلم آدم ولا خصيصة لما خلقت بيدي ولا فخر ونفخت فيه من روحي وانما انتفع بذل ربنا ظلمنا أنفسنا لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل

فجرحه فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كان لم يكن به قلبة فصل
نجائب النجاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبت عواصف الأقدار في بيداء الاكوان فتقلب الوجود ونجم الخير فلما ركدت الريح اذا ابو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة والوليد بن

المغيرة يقدم قومه في التيه وصهيب قد قدم بقافلة الروم والنجاشي في أرض

الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك وبلال ينادي الصلاة خير من النوم

وأبو جهل في رقدة المخالفة لما قضى في القدم بسابقه سلمان عرج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس فأقبل يناظر أباه في دين الشرك فلما علاه بالحجة لم يكن له جواب الا القيد وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم حرفوه وبه أجاب فرعون موسى لئن اتخذت الها غيري وبه أجاب الجهمية الامام احمد لما عرضوه على السياط وبه أجاب أهل البدع شيخ الاسلام حين استدعوه السجن وها نحن علي الاثر فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال باكرامة مرتبة سلمان منا أهل البيت فسمع ان ركبا على نية السفر فسرق نفسه من أبيه ولا قطع فركب راحلة العزم يرجو ادراك مطلب السعادة فغاص في بحر البحث ليقع بدرة الوجود فوقف نفسه على خدمة الادلاء وقوف الاذلاء فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلموا اليه اعلام الأعلام على نبوة نبينا وقالوا ان زمانه قد أظل فأحذر ان تضل فرحل مع رفقة لم يرفقوا به فشروه بثمن بخس دراهم معدودة فأتباعه يهودى بالمدينة فلما رأى الحره توقد حرا شوقه ولم يعلم رب المنزل بوجد النازل فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة وكاد القلق يلقيه لولا ان الحزم أمسكه كما جرى يوم إن كادت لتبدي به لولا ان ربطنا علي قلبها فعجل النزول لتلقي ركب البشارة ولسان حاله يقول
خليلي من نجد قفا بي على الربا ... فقد هب من تلك الديار نسيم فصاح به سيده مالك انصرف الي شغلك فقال
كيف انصرافي ولي في داركم شغل
ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش خليلي لا والله ما انا منكما ... اذا علم من آل ليلي بداليا

فلما لقى الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه يا محمد انت تريد ابا طالب ونحن نريد سلمان ابو طالب اذا سئل عن اسمه قال عبد مناف واذا انتسب افتخر بالآباء واذاذكرت الأموال عبد الابل وسلمان اذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه قال ابن الاسلام وعن ماله قال الفقر وعن حانوته قال المسجد وعن كسبه قال الصبر وعن لباسه قال التقوى والتواضع وعن وساده قال السهر وعن فخره قال سلمان منا وعن قصده قال يريدون وجهه وعن سيره قال الى الجنة وعن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادئ الائمة
اذا نحن ادلجن وانت امامنا ... كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
وان نحن اضللنا الطريق ولم نجد ... دليلا كفانا نور وجهك هاديا
الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك اذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم انها مسعر حرب فاستتر منها بحجاب قل للمؤمنين فقد سلمت من الاثر وكفى الله المؤمنين القتال بحر الهوى اذا مد أغرق واخوف المنافذ على السابح فتح البصر في الماء
ما أحد أكرم من مفرد ... في قبره اعماله تونسه
منعما في القبر في روضه ... ليس كعبده قبره محبسه
علي قدر فضل المرء يأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر فيما يصيبه
ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل مما يرتجيه نصيبه
كم قطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد اشتر نفسك فالسوق قائمة والثمن موجود لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ولكن كن خفيف النوم فحراس البلد يصيحون دنا الصباح نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور اخرج بالعزم من هذا

الفناء الضيق المحشو بالآفات الي ذلك الفناء الرحب الذي فيه مالا عين رأت فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب يا بائعا نفسه بهوى من حبه ضنا ووصله أذى وحسنه الى فنا لقد بعت انفس الأشياء بثمن بخس كأنك لم تعرف قدر السلعة وبلا خسة الثمن حتى اذا قدمت يوم التغابن تبين لك ان الغبن في عقد التبايع لا اله الا الله سلعة الله مشتريها وثمنها الجنة والدلال الرسول ترضي ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة
اذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من صرت عبده
ويملك جزء منه كلك ما الذى ... يكون على ذا الحال قدرك عنده
وبعت به نفسا قد استامها بما ... لديه من الحسنى وقد زال وده
يا مخنت العزم اين انت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لاجله نوح ورمى في النار الخليل واضجع للذبح اسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسي وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها انت باللهو واللعب
فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
الحرب قائمة وانت اعزل في النظارة فأن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف
تقول سليمى لو أقمت بارضنا ... ولم تدارني للمقام أطوف
قيل لبعض العباد الى كم تتعب نفسك فقال راحتها اريد يا مكر ما بجلة

الأيمان بعد حلة العافية وهو يخلقهما في مخالفة الخالق لا تنكر السلب يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره ان يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم ايهم يؤثرهن على عرائس الآخرة فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي ايثاره
وحسان الكون لما أن بدت ... اقبلت نحوي وقالت لي الى
فتعاميت كأن لم أرها ... عندما ابصرت مقصودي لدي
كواكب هم العارفين في روج عزائمهم سيارة ليس فيها زحل يا من انحرف عن جادتهم كن في أواخر الركب ونم اذا نمت علي الطريق فالأمير يراعي الساقة قيل للحسن سبقنا القوم على خيل دهم ونحن على حمر معقره فقال ان كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم
فائدة من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف
ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوى في حاله ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده الا منها ومن كان فتحه بيت الناس ونصحهم وارشادهم كان مزيده معهم ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس فأشرف الأحوال أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا تكن مع مرادك منه مصابيح القلوب الطاهرة في اصل الفطره منيرة قبل

الشرائع يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وحد قس وما رأي الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه في المسجد مع الص بري ولا ماء وكم من عطشان في اللجة سبق العلم بنبوة موسى وايمان آسية فسيق تابوته الى بيتها فجاء طفل منفرد عن أم الى امرأة خالية عن ولد فلله كم في هذه القصة من عبرة كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد ولسان القدر يقول لا نربيه الا في حجرك

كان ذو البجادين يتيما في الصغر فكفله عمه فنازعته نفسه الى اتباع الرسول فهم بالنهوض فاذا بقية المرض مانعه فقعد ينتظر العم فلما تكاملت صحته نفذ الصبر فناداه ضمير الوجد
الي كم حبسها تشكو المضيقا ... أثرها ربما وجدت طريقا
فقال يا عم طال انتظاري لاسلامك وما أرى منك نشاطا فقال والله لئن أسلمت لانتزعن كل ما أعطيتك فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب الي من الدنيا وما فيها
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها
لقال تراب من غبار نعالها ... ألذ الى نفسي وأشفى لبلواها
فلما تجرد للسير الى الرسول جرده عمه من الثياب فناولته الام بجادا فقطعه لسفر الوصل نصفين أتزر بأحدهما با وارتدي بالآخر فلما نادى صائح الجهاد قنع ان يكون في سافة الأحباب والمحب لا يرى طول الطريق لان المقصود يعينه
ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف الحمى من يريدها
فلما قضى نحبه نزل الرسول يمهد لد لحده وجعل يقول اللهم أني أمسيت عنه راضيا فارض عنه فصاح ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب القبر
فيا مخنث العزم أقل ما في الرقعة البيذق فلما نهض تفرزن رأى بعض

الحكماء برذونا يسقى عليه فقال لو هملج هذا الركب اقدام العزم بالسلوك اندفع من بين أيديها سد القواطع القواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب فاذا خضتها انقلبت أعوانا لك توصلك الى المقصود
فصل الدنيا كأمرأه بغى لا تثبت مع زوج انما تخطب الأزواج ليستحسنوا
عليها فلا ترضى بالدياثه
ميزت بين جمالها وفعالها ... فأذا الملاحة بالقباحة لا تفى
حلفت لنا ان لا تخون عهودنا ... فكأنها حلفت لنا ان لا تفى
السير في طلبها سير في أرض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها واحزانها من أفراحها
مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذاب فصارت في المشيب عذابا
طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك غير ان عين الهوى عميا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
تزخرفت الشهوات لأعين الطباع فغض عنها الذين يؤمنون بالغيب ووقع تابعوها في بيداء الحسرات و باؤلئك على هدى من ربهم واؤلئك هم المفلحون وهؤلاء يقال لهم كلوا وتمتعوا قليلا انكم مجرمون لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أما وافيها الهوى طلبا لحياة الأبد لما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما انهبه العدو منهم في زمن البطالة فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد وكلما أمرت لهم الحياة حلى لهم تذكر هذا يومكم الذي كنتم توعدون
وركب سروا الليل ملق رواقه ... على كل مغبر المطالع قائم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في طلوع العزائم

تريهم نجوم الليل ما يتبعونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
اذا اطردت في معرك الجد قصفوا ... رماح العطايا في صدور المكارم
فصل من اعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم
تتأخر عن الاجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وان تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق الى انشراح الصدر بذكره ومناجاته وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه الى نعيم الاقبال عليه والانابه اليه واعجب من هذا علمك انك لابد لك منه وانك أحوج شيء اليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب
فائدة ما أخذ العبد ما حرم عليه الا من جهتين احداهما سوء ظنه
بربه وانه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا والثانية ان يكون عالما بذلك وان من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقل فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته قال يحي بن معاذ من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده قلت اذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه
فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدنيا بأهلها وخداع الامل لاربابه وتملك
الشيطان وقياد النفوس راوا الدولة للنفس الامارة لجأوا الى حصن التضرع والالتجاء كما

يأوي العبد المذعور الي حرم سيده سيده شهوات الدنيا كلعب الخيال ونظر الجاهل مقصور على الظاهر فاما ذو العقل فيرى ما ووراء الستر لاح لهم المشتهى فلما مدوا أيدى التناول بأن لابصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا الى الرحيل الثاني ياليت قومي يعلمون تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فاجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير في سواء السبيل فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح وقع ثعلبان في شبكة فقال أحدهما للآخر أين الملتقى بعد هذا فقال بعد يومين في الدباغة تالله ما كانت الأيام الا مناما فليستيقظوا وقد حصلوا على الظفر ما مضى من الدنيا أحلام وما بقى منها أماني والوقت ضائع بينهما
كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه فأن تولاه الله وجذبه اليه انقهرت له هذه كلها وان تخلى عنه ووكله الى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة فى قلوبهم وكدر فى افهامهم ومحق فى عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام الاخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة

والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار اليهم وكانت قبل ذلك لاضدادها وكان أهلها هم المشار اليهم
فاذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الارض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس
اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكي ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات الى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
اشتر نفسك اليوم فان السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة وسيأتي على تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها الى قليل ولا كثير ذلك يوم التغابن يوم يعض الظالم على يديه
اذا انت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا
ندمت على ان لا تكون كمثله ... وانك لم ترصد كما كان ارصدا
العمل بغير اخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه اذا حملت علي القلب هموم الدنيا واثقالها وتهاونت بأوراده التي هى قوته وحياته كنت كالمسافر الذى يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ما تقف به
ومشتت العزمات ينفق عمره ... حيران لا ظفر ولا اخفاق

هل السائق العجلان يملك امره ... فما كل سير اليعملات وحيد
رويدا باخفاف المطى فانما ... تداس جباه تحتها وخدود
من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر الغاية اول فى التقدير آخر فى الوجود مبدأ فى نظر العقل منتهى فى منازل الوصول الفت عجز العادة فلو علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك انوار العزائم انما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور تزول همة الكساح دلاه فى جب العذرة بينك وبين الفائزين جبل الهوى نزلوا بين يديه ونزلت خلفه فاطو فضل منزل تلحق بالقوم الدنيا مضمار سباق وقد انعقد الغبار وخفى السابق والناس فى المضمار بين فارس وراجل واصحاب حمر معقرة
سوف ترى اذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
فى الطبع شره والحمية أوفق لص الحرص لا يمشي الا فى ظلام الهوي حبة المشتهى تحت فخ التلف فتفكر الذبح وقد هان الصبر قوة الطمع في بلوغ الأمل توجب الاجتهاد فى الطلب وشدة الحذر من فوت المأمول البخيل فقير لا يؤجر على فقره الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعه من تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه غرس الخلوة يثمر الأنس استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك عزلة الجاهل فساد واما عزلة العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها اذا اجتمع العقل واليقين في بيت العرلة واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة
اتاك حديث لا يمل سماعه ... شهى الينا نثره ونظامه
اذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب المعني ظلامه
اذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها ونسل الخصام نسل مذموم حميتك لنفسك أثر الجهل بها فلو عرفتها حق معرفتها اعنت الخصم عليها إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت باحراق القادح اوثق

غضبك بسلسلة الحلم فانه كلب إن أفلت اتلف من سبقت له سابقة السعادة دل على الدليل قبل الطلب اذا اراد القدر شخصا بذر فى أرض قلبه بذر التوفيق ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة ثم أقام عليه باطوار المراقبة واستخدم له حارس العلم فاذا الزرع قائم على سوقه اذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها اذا جن الليل تغالب النوم والسهر فالخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتواني فى كتيبة الغفلة فاذا حمل العزم حمل علي الميمنة وانهزمت جنود التفريط فما يطلع الفجر الا وقد قسمت السهمان وبردت الغنيمة لاهلها سفر الليل لا يطيقه الا مضمر المجاعة النجائب فى الأول وحاملات الزاد فى الأخير لا تسأم من الوقوف علي الباب ولو طردت ولا تقطع الاعتذار ولو رددت فان فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف وتصدق علينا يا مستفتحا باب المعاش بغير إقليد التقوي كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق ولو وقفت عند مراد التقوي لم يفتك مراد المعاصي سد فى باب الكسب وان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه
تالله ما جئتكم زائرا ... الا وجدت الارض تطوي لى
ولا انثني عزمى عن بابكم ... الا تعثرت باذيالى
الأرواح فى الأشباح كالاطيار فى الابراج وليس ما أعد للاستفراخ كمن هيء للسباق من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأى شغل يشغله كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فان الولد يتبع الأم الدنيا لا تساوي نقل أقدامك اليها فكيف تعدو خلفها الدنيا جيفة والأسد لا يقع علي الجيف الدنيا مجاز والآخرة وطن والأوطار انما تطلب فى الأوطان
الاجتماع بالاخوان قسمان احدهما اجتماع علي مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا

مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه انه يفسد القلب ويضيع الوقت الثاني الاجتماع بهم علي التعاون علي أسباب النجاة والتواصى بالحق والصبر فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات احداها تزين بعضهم لبعض الثانية الكلام والخلطة أكثر من الحاجة الثالثة ان يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح اما للنفس الأمارة واما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طلب لقاحه طابت ثمرته وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك قاعدة
ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير بل لا يؤثر سبب البتة الا بانضمام سبب آخر اليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره هذا فى الأسباب المشهودة بالعيان وفى الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشمس فى الحيوان والنبات فانه موقوف علي أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم الى ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف علي عدة أسباب غير وطء الفحل وكذلك جميع الأسباب مع مسبباتها فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلي غاياته أن يكون جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره علي غيره الا الله الواحد القهار فلا ينبغى أن يرجى ولا يخاف غيره وهذا برهان قطعى على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل فانه لو فرض ان ذلك سبب مستقل وحده بالتأثير لكانت سببيته من غيره لا منه فليس له من نفسه قوة يفعل بها فانه لا حول ولا قوة الا بالله فهو الذى بيده الحول كله والقوة كلها فالحول والقوة التى يرجى لاجلهما المخلوق ويخاف انما هما لله وبيده فى الحقيقة فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فانه على قدر خوفك من

غير الله يسلط عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهذا حال الخلق أجمعه وان ذهب عن أكثرهم علما وحالا فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة
التوحيد مفزع اعدائه واوليائه فاما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البر اذا هم يشركون واما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها ولذلك فزع اليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع اليه اتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون فى الدنيا وما أعد لهم فى الآخرة ولما فزع اليه فرعون عند معاينة الهلاك وادراك الغرق له لم ينفعه لان الايمان عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله فى عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التى ما دعا بها مكروب الا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى فى الكرب العظام الا الشرك ولا ينجى منها الا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وبالله التوفيق فائدة اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فكلما كانت الرغبة فى المحبوب والشوق اليه أقوى كانت اللذة بالوصول اليه أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به فكلما كان العلم به اتم كانت محبته أكمل فإذا رجع كمال النعيم فى الآخرة وكمال اللذة الى العلم والحب فمن كان يؤمن بالله واسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول اليه مجاورته والنظر الي جهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالاضافة الى ذلك كقطرة فى بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام علي لذة عظيمة دائمة ابد الآباد وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب وافضل العلم العلم بالله وأعلى الحب الحب له وأكمل اللذة بحسبهما والله المستعان

قاعدة
طالب الله والدار الآخره لا يستقيم له سيره وطلبه الا بحبسين حبس قلبه فى طلبه ومطلوبه وحبسه عن الالتفات الى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه علي ذكر الله وما يزيد فى ايمانه ومعرفته وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن الى أوسع فضاء وأطيبه ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما الى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا فكل خارج من الدنيا اما متخلص من الحبس واما ذاهب الي الحبس وبالله التوفيق
ودع ابن عون رجلا فقال عليك بتقوي الله فأن المتقى ليست عليه وحشة وقال زيد بن أسلم كان يقال من أتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا وقال الثوري لابن أبي ذئب ان أتقيت الله كفاك الناس وان اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا وقال سليمان بن داود أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من تقوي الله فى السر والعلانية والعدل فى الغضب والرضا والقصد فى الفقر والغنى وفى الزهد للامام احمد أثر الهى ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني الا قطعت أسباب السموات والأرض دونه فان سألنى لم أعطه وان دعاني لم أجبه وان استغفرني لم أغفر له وما من مخلوق اعتصم بي دون خلقى الا ضمنت السموات والأرض رزقه فأن سألنى أعطيته وان دعاني أجبته وان استغفرني غفرت له
فائدة جليلة جمع النبى بين تقوي الله وحسن الخلق لان تقوى الله
يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو الي محبته

فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن
نفسه وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله فلا يلتفت الا الى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة اليه
صاح بالصحابة واعظ اقترب للناس حسابهم فجزعت للخوف قلوبهم فجرت من الحذر العيون فسالت أودية بقدرها تزينت الدنيا لعلي فقال أنت طالق ثلاثا لا رجعة لي فيك وكانت تكفيه واحده للسن لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز المراجعه ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة حديث لعن الله المحلل
ما فى هذه الدار موضع خلوة فاتخذه فى نفسك لا بد ان تجذبك الجواذب فاعرفها وكن منها على حذر لا تضرك الشواغل اذا خلوت منها وأنت فيها نور الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه الطريق الى الله خال من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور بأهل اليقين والصبر وهم على الطريق كالأعلام وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
قاعدة لشهادة ان لا اله الا الله عند الموت تأثير عظيم فى تكفير
السيئات واحباطها لانها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها واقبلت بعد اعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصا على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدى ربها وفاطرها ومولاها الحق اذل ما كانت له وارجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته وتجرد

منها التوحيد بانقطاع اسباب الشرك وتحقق بطلانه فزالت منها تلك المنازعات التى كانت مشغولة بها واجتمع همها علي من ايقنت بالقدوم عليه والمصير اليه فوجه العبد وجهه بكليته اليه واقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم وحده ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته فقال لا اله الا الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات الي ما سواه قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الآخره فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وادخلته علي ربه لانه لقى ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة علي هذا الوجه فى أيام الصحة لاستوحش من الدنيا واهلها وفر الى الله من الناس وانس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياه واسبابها ونفس مملوءه بطلب الحظوظ والالتفات الى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبا آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمى والله المستعان
ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بأذنه ومشيئته فلا يتحرك الا باذنه ولا يفعل الا بمشيئته ان وكله الى نفسه وكله الي عجز وضيعه وتفريط وذنب وخطيئة وان وكله الى غيره وكله الى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وان تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله اسيرا له فهو لا غنى له عنه طرفة عين بل هو مضطر اليه علي مدى الأنفاس فى كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا فاقته تامة اليه ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه يتبغض اليه بمعصيته مع شدة الضرورة اليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا واليه مرجعه وبين يديه موقفه

فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك فان الرزق والأجل قرينان مضمونان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا واذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا اطيب والذ من الأول لبنا خالصا سائغا فاذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا اربعة أكمل منها طعامان وشرابان فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من المياه والألبان وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ فاذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيدا طرقا ثمانية وهى ابواب الجنة الثمانية يدخل من ايها شاء فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا الا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك لغير المؤمن فأنه يمنعه الحظ الأدني الخسيس ولا يرضي له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنيئا وبقلة الرغبة في الآجل وان كان عليا ولو انصف العبد ربه وانى له بذلك لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك فما منعه الا ليعطيه ولا ابتلاه الا ليعافيه ولا امتحنه الا ليصافيه ولا أماته الا ليحييه ولا أخرجه الي هذه الدار الا ليتأهب منها للقدوم عليه وليسلك الطريق الموصلة اليه فجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر او أراد شكورا وأبى الظالمون الا كفورا والله المستعان من عرف نفسه اشتغل باصلاحها عن عيوب الناس من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالاخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق

دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهة اورثت شكا في دين الله وباب شهوة اورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه
أصول الخطايا كلها ثلاثة الكبر وهو الذى أصار ابليس الي ما أصاره والحرص وهو الذى أخرج آدم من الجنة والحسد وهو الذى جرأ أحدا بني آدم علي أخيه فمن وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصى من الحرص والبغى والظلم من الحسد
جعل الله بحكمته كل جزء من أجزاء ابن آدم ظاهرة وباطنة آلة لشيء اذا استعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر والاذن آلة للسماع والأنف آلة للشم واللسان آلة للنطق والفرج للنكاح واليد للبطش والرجل للمشى والقلب للتوحيد والمعرفة والروح للمحبه والعقل آلة للتفكر والتدبر لعواقب الامور الدينية والدنيويه وايثار ما ينبغى ايثاره وأهمال ما ينبغى اهماله
أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس فى السنن من حديث أبي سعيد يرفعه اذا أصبح ابن آدم فان الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فأنما نحن بك فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا قوله تكفر اللسان قيل معناه تخضع له وفى الحديث ان الصحابة لما دخلوا علي النجاشي لم يكفروا له أى لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذلك قال له عمرو بن العاص أيها الملك انهم لا يكفرون لك وانما خضعت للسان لانه بريد القلب وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء وقولها انما نحن بك أي نجاتنا بك وهلاكنا بك ولهذا قالت فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا

فصل جمع النبى فى قوله فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب بين مصالح
الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها انما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء فى طلب الدنيا انما ينال بالاجمال في الطلب فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها ومن أجمل فى الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان
قد نادت الدنيا علي نفسها ... لو كان فى ذا الخلق من يسمع
كم واثق بالعيش أهلكته ... وجامع فرقت ما يجمع
فائدة جمع النبي بين المأثم والمغرم فان المأثم يوجب خسارة الآخرة
والمغرم يوجب خسارة الدنيا
فائدة قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا علق سبحانه الهداية
بالجهاد فاكمل الناس هداية أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوي وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الاربعة فى الله هداه الله سبل رضاه الموصلة الي جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد قال الجنيد والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الاخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر الا من جاهد هذه الأعداء باطنا فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه

فصل القى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين
العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ودولا بين الفريقين الى أن يستولى أحدهما علي الآخر ويكون الآخر مقهورا معه فاذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم واذا كانت النوبة للنفس والهوي والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فانزله عن سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فارسل اليه إن استنصرتنى نصرتك وان استغثت بي اغثتك وان التجأت الي أخذت بثأرك وان هربت الى واويت الي سلطتك علي عدوك وجعلته تحت أسرك فان قال هذا الملك المأسور قد شد عدوى وثاقى وأحكم رباطى واستوثق منى بالقيود ومنعني من النهوض اليك والفرار اليك والمسير الي بابك فان أرسلت جندا من عندك يحل وثاقى ويفك قيودى ويخرجنى من حبسه امكنني أن اوافى بابك والا لم يمكننى مفارقة محبسي ولا كسر قيودى فان قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفعا لرسالته ورضا بما هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الأعظم وحاله وولاه ما تولي وان قال ذلك افتقارا اليه واظهارا لعجزه وذله وانه أضعف واعجز أن يسير اليه بنفسه ويخرج من حبس عدوه ويتخلص منه بحوله وقوته وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل اليه هذه الرسالة أن يمده من جنده

ومماليكه بمن يعينه على الخلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فأن فعل به ذلك فقد اتم انعامه عليه وان تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقا هوله وان حمده وحكمته اقتضي منعه وتخليته فى محبسه ولا سيما اذا علم أن الحبس حبسه وان هذا العدو الذى حبسه مملوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بيده لا يتصرف الا باذنه ومشيئته فهو غير ملتفت اليه ولا خائف منه ولا معتقد أن له شيئا من الامر ولا بيده نفع ولا ضر بل هو ناطر الي مالكه ومتولى أمره ومن ناصيته بيده قد افرده بالخوف والرجاء والتضرع اليه والالتجاء والرغبة والرهبة فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر
أعلى الهمم فى طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد وعلم حدود المنزل وأخس همم طلاب العلم قصر همته علي تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل ولا هو واقع أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس له همة الى معرفة الصحيح من تلك الأقوال وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه وأعلي الهمم فى باب الارادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الدينى الأمرى واسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله فهو انما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه فالاول يريد الله ويريد مراده والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته
علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون اليها الناس بأقوالهم ويدعونهم الى النار بافعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا اليه حقا كانوا أول المستجيبين له فهم فى الصوره أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق اذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله تابع لك يزدلف إليك أى أنواعه تبدأ به واذا كان حظك ما تنال منه فالفضل موقوف عنك لانه بيده تابع له فعل من أفعاله فإذا حصل لك حصل لك الفضل بطريق الضمن والتبع واذا كان الفضل مقصودك لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع فأن

كنت قد عرفته وأنست به ثم سقطت الى طلب الفضل حرمك اياه عقوبة لك ففاتك الله وفاتك الفضل
فصل لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل فى حصر النصر
فعبثت أيدى سراياه بالنصر فى الأطراف فطار ذكره فى الآفاق فصار الخلق معه ثلاثة أقسام مؤمن به ومسالم له وخائف منه ألقى بذر الصبر فى مزرعة فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل فاذا أغصان النبات تهتز بخزامي والحرمات قصاص فدخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم الا الحدق والصحابة على مراتبهم والملائكة فوق رؤوسهم وجبريل يتردد بينه وبين ربه وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لاحد سواه فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم واذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك فاخرجوه ثاني اثنين
دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذى رفعت اليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت اليه الملوك أعناقها فدخل مكة مالكا مؤيدا منصورا وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر فى الرمضاء على جمر الفتنة فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله أحد أحد ورفع صوته بالاذان فأجابته القبائل من كل ناحية فاقبلوا يؤمون الصوت فدخلوا فى دين الله أفواجا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادا فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط مدت الملوك أعناقها بالخضوع اليه فمنهم من سلم اليه مفاتيح البلاد ومنهم من سأله الموادعة والصلح ومنهم من أقر بالجزيه والصغار ومنهم من أخذ فى الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى اليه فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الامانة وجاءه منشور انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك

الله نصرا عزيزا وبعده توقيع اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء ربه شوقا اليه فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا كزينة المدينه يوم قدوم الملك اذا كان عرش الرحمن فقد اهتز لموت بغض اتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه فكيف بروح سيد الخلائق فيا منتسبا الى غير هذا الجناب ويا واقفا بغير هذا الباب ستعلم يوم الحشر اى سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر
فصل يا مغرورا بالاماني لعن ابليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحده
امر بها واخرج آدم من الجنه بلقمة تناولها وحجب القاتل عنها بعد ان رآها عيانا بملء كف من دم وامر بقتل الزاني اشنع القتلات بايلاج قدر الانملة فيما لا يحل وأمر بأيساع الظهر سياطا بكلمة قذف او بقطرة سكر وابان عضوا من اعضائك بثلاثة دراهم فلا تأمنه ان يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ولا يخاف عقباها دخلت امرأة النار في هرة وان الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالا يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب وان الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فأذا كان عند الموت جار في الوصيه فيختم له بسوء عمله فيدخل النار العمر بىخره والعمل بخاتمته من احدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا ومن أساء في آخر عمره لقى ربه في ذلك الوجه لو قدمت لقمه وجدتها ولكن يؤذيك الشره كم جاء الثواب يسعى اليك فوقف بالباب فرده بواب سوف ولعل وعسى كيف الفلاح

بين ايمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد وهوى مستيقظ وعقل راقد ساهيا في غمرته عمها في سكرته سابحا في لجة جهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته وذكر الله حبسه وموته لله منه جزء يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره
لا كان من سواك فيه بقية ... يجد السبيل بها اليه العذل
فصل كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم وآخر
المخلوقات وفي ذلك حكم أحدها تمهيد الدار قبل الساكن الثانية انه الغاية التي خلق لاجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر الثالثة ان احذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه باساسه ومبادئه الرابعة ان النفوس متطلعة الى النهايات والأواخر دائما ولهذا قال موسي للسحرة ولا القوا ما انتم ملقون فلما راى الناس فعلهم تطلعوا الى ما يأتي بعده الخامسة ان الله سبحانه أخر أفضل الكتب والانبياء والأمم الى آخر الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بين قول الملك للرسول اقرا فيقول ما انا بقاريء وبين قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم السادسة ان سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير السابعة ان خلاصة الوجود وثمرته فناسب ان يكون خلقه بعد الموجودات الثامنة ان من كرامته علي خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته فما رفع رأسه الا وذلك كله حاضر عتيد التاسعة انه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدمها عليه في الخلق ولهذا قالت الملائكة ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا اكرم عليه منا فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم والمعرفة فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل

قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنه فلما تاب الى ربه وأنى بتلك العبودية علمت الملائكة ان لله في خلقه سرا لا يعلمه سواه العاشرة انه سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الانسان فان القلم آلة العلم والانسان هو العالم ولهذا اظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل هبوطه الى الأرض ونبه الملائكة على فضله وشرفه ونوه باسمه قبل ايجاده بقوله اني جاعل في الأرض خليفة وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله في الأرض والمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة لان داب المحب الوقوف على باب الحبيب رمى به في طريق ذل لم يكن شيئا لئلا يعجب يوم اسجدوا كان أبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول لأمر قد خلقت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك ولم يعلم ان هلاكه على يده رأى طينا مجموعا فاحتقر فلما صور الطين صورة دب فيه داء الحسد فلما نفخ فيه الروح مات الحاسد فلما بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدعى
ونحن نسبح الي حاكم أنبئوني وقد أخفى الوكيل عنه بينة وعلم فنكسوا رؤوس الدعاوى على صدور الاقرار فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادى اسجدوا فتطهروا من حديث دعوي ونحن بماء العذر في آنية لا علم لنا فسجدوا على طهارة التسليم وقام ابليس ناحية لم يسجد لانه خبث وقد تلون بنجاسة الاعتراض وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير لانها عينية فلما تم كمال آدم قال لا بد من خال جمال على وجه اسجدوا فجرى القدر بالذنب ليتبين اثر العبودية في الذل يا آدم لو عفى لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون كيف فضل ذو شره لم يصبر على شجرة لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل هل من وسائل ولا فاحت

روائح ولخلوف فم الصائم فتبين حينئذ ان ذلك التناول لم يكن عن شره يا آدم ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف لنا ما ضر من كسره عزى اذا جبره فضلي انما تليق خلعة العز ببدن الانكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي مازالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه على أولاده فأرسل اليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى فحماهم الطبيب بالمناهى وحفظ القوة بالأوامر واستفرغ اخلاطهم الرديئه بالتوبة فجاءت العافية من كل ناحية
فيا من ضيع القوة ولم يحفظها وخلط في مرضه وما احتمى ولا صبر على مرارة الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك فالداء مترام الى الفساد لو ساعد القدر فاعنت الطبيب علي نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات ولك بخار الشهوة غطى عين البصيرة فظننت ان الحزم بيع الوعد بالنقد يالها بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد سافرت في طلب الدنيا وهى عنها زائلة وقعدت عن السفر الى الآخرة وهى اليها راحلة اذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم بانه سفيه
فصل لما سلم لآدم اصل العبودية لم يقدح فيه الذنب ابن آدم لو
لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة لما علم السيد ان ذنب عبده لم يكن قصدا لمخالفته ولا قدحا في حكمته علمه كيف يعتذر اليه فتلقى آدم م ربه كلمات فتاب عليه العبد لا يريد بمعصيته مخالفة سيده ولا الجرأة على محارمه ولكن غلبات الطبع وتزيين النفس والشيطان وقهر الهوى والثقة بالعفو ورجاء المغفرة هذا من جانب العبد وأما من جانب الربوبية فجريان الحكم واظهار عز الربوبيه وذل العبودية وكمال الاحتياج وظهور آثار الأسماء الحسنى

كالعفو والغفور والتواب والحليم لمن جاء تائبا نادما والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر ولزم المجرة فهو سبحانه يريد أن يرى عبده تفرده بالكمال ونقص العبد وحاجته اليه ويشهده كمال قدرته وعزته وكمال مغفرته وعفوه ورحمته وكمال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه وان رحمته به احسان اليه لا معارضة وانه ان لم يتغمده برحمته وفضله فهو هالك لا محالة فلله كم من تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحة ورحمة التوبة من الذنب كشرب الدواء للعليل ورب علة كانت سبب الصحة
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل
لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب ذنب يذل به احب اليه من طاعة يدل بها عليه شمعة النصر انما تنزل في شمعدان الانكسار لا يكرم العبد نفسه بمثل اهانتها ولا يعزها بمثل ذلها ولا يريحها بمثل تعبها كما قيل
سأتعب نفسي أو أصادف راحة ... فان هوان النفس في كرم النفس
ولا يشبعها بمثل جوعها ولا يؤمنها بمثل خوفها ولا يؤنسها بمثل وحشتها من كل ما سوى فاطرها وبارئها ولا يحييها بمثل امانتها كما قيل
موت النفوس جياتها ... من شاء أن يحيا يموت
شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة يا معرقلا في شرك الهوى جمزة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر فاجنح للسلم لله ملك السموات والارض واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة ابحر وأحب منك دمعة فقحطت عينك بها اطلاق البصر ينقش قي القلب صورة المنظور والقلب كعبة والمعبود لا يرضى بمزاحمة

الأصنام لذات الدنيا كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى اذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة سبحان الله تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهر وتعرف رب العزة الي المحبين باسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف
لا كان من لسواك منه قلبه ... ولك اللسان مع الوداد الكاذب
المعرفة بساط لا يطأ عليه الا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليه الا محب مغرم الحب غدير في صحراء ليست عليه جادة فلهذا قل وارده المحب يهرب الى العزلة والخلوة بمحبوبه والأنس بذكره كهرب الحوت الى الماء والطفل الى أمه
وأخرج من بين البيوت لعلنى ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا
ليس للعابد مستراح الا تحت شجرة طوبي ولا للمحب قرار الا يوم المزيد اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أضر عليك منك
ما تبلغ الأعداء من جاهل ... من يبلغ الجاهل من نفسه
الهمة العليه من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر عند القدوم وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين تالله ما عدا عليك العدو الا بعد ان تولى عنك الولى فلا تظن ان الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض احذر نفسك فما أصابك بلاء قط الا منها ولا تهادنها فوالله ما أكرمها من لم يهنها ولا أعزها من لم يذلها ولا جبرها من لم يكسرها ولا أراحها من لم يتبعها ولا أمنها من لم يخوفها ولا فرحها من لم يحزنها سبحان الله ظاهرك متجمل بلباس التقوى وباطنك باطية

لخمر الهوى فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك الصادقون وانحاز اليك الفاسقون يدخل عليك لص الهوى وأنت في زاوية التعبد فلايرى منك طردا له فلا يزال بك حتي يخرجك من المسجد أصدق في الطلب وقد جاءتك المعونة فقال رجل لمعروف علمنى المحبة فقال المحبه لا تجيء بالتعليم
هو الشوق مدلولا على مقتل الفنا ... اذا لم يعد صبا بلقيا حبيبه
ليس العجيب من قوله يحبونه انما العجب من قوله يحبهم ليس العجب من فقير مسكين يحب محسنا اليه أنما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا
فصل القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده وصفاته فتارة يتجلى في
جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الاصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الاسماء وجمال الصفات وجمال الافعال الدال على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله فيصبح فؤاد عبده فارغا الا من محبته فاذا أراد منه الغيران يعلق تلك المحبة به ابى قلبه واحشاؤه ذلك كل الاباء كما قيل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفا واذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والاحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار الى ربه وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما ان الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق ارضه بالبذر واذا ضعف رجاؤه قصر في البذر واذا تجلى بصفات العدل والانتقام

والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة وبطلت او ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص علي المحرمات وانقبضت أعنة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر واذا تجلى بصفات الامر والنهي والعهد والوصية وارسال الرسل وانزال الكتب شرع الشرائع انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها والتواصي بها وذكرها وتذكرها والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنهى واذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحي ربه ان يراه على ما يكره او يسمع منه ما يكره او يخفى في سريرته ما يمقته عليه فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسله تحت حكم الطبيعة والهوى واذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم اليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض اليه والرضا به وما في كل ما يجريه علي عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له واذا تجلى بصفات العز والكبرياء اعطت نفسه المطمئنة ما وصلت اليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح له فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذهب طيشه وقوته وحدته
وجماع ذلك انه سبحانه يتعرف الي العبد بصفات آلهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة فيوجب له شهود صفات الآلهية المحبة الخاصة والشوق الى لقائه والانس والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد اليه بطاعته واللهج بذكره والفرار من الخلق اليه ويصير هو وحده همه دون ما سواه ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار اليه والاستعانة به والذل والخضوع والانكسار له وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته فى الهيته والهيته في ربوبيته وحمده في ملكه وعزه في عفوه

وحكمته في قضائه وقدره ونعمته في بلائه وعطاءه في منعه وبره ولطفه وأحسانه ورحمته في قيوميته وعذله في انتقامه وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه وعزه في رضاه وغضبه وحلمه في إمهاله وكرمه فى إقباله وغناه في اعراضه
وانت اذا تدبرت القرآن واجرته من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وافكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته علي عرشه يدبر أمر عباده يأمر وينهي ويرسل الرسل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويخفض ويرفع يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية فعال لما يريد موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب لا تتحرك ذرة فما فوقها الا بأذنه ولا تسقط ورقه إلا بعلمه ولا يشفع زهد عنده إلا بأذنه ليس لعباده من دونه ولى ولا شفيع
فصل لما بايع الرسول أهل العقبة أمر أصحابه بالهجرة الي المدينة
فعلمت قريش أن أصحابه قد كثروا وأنهم سيمنعونه فاعلمت آراءها في استخراج الحيل فمنهم من رأى الحبس ومنهم من رأى النفي ثم اجتمع رأيهم على القتل فجاء البريد بالخبر من السماء وأمره أن يفارق المضجع فبات علي مكانه ونهض الصديق لرفقة السفر فلما فارقا بيوت مكة اشتد الحذر بالصديق فجعل يذكر الرصد فيسير أمامه وتارة يذكر الطلب فيتأخر وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله الي أن انتهيا الى الغار فبدأ الصديق بدخوله ليكون وقاية له ان كان ثم موذ وأنبت الله شجرة لم تكن قبل فأظلمت المطلوب وأضلت الطالب وجاءت عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها علي منوال الستر فاحكمت الشقة حتى عمى على القائف المطلب وأرسل حمامتين فاتخذتا هناك عشا جعل

على أبصار الطالبين غشاوة وهذا أبلغ في الاعجاز من مقاومة القوم بالجنود فلما وقف القوم على رؤوسهم وصار كلامهم بسمع الرسول والصديق قال الصديق وقد اشتد به القلق يا رسول الله لو أن أحدهم نظر الي ما تحت قدميه لابصرنا تحت قدميه فقال رسول الله يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لما رأى الرسول حزنه قد اشتد لاكن علي نفسه قوي قلبه ببشارة لا تحزن ان الله معنا فظهر سر هذا الاقتران في المعية لفظا كما ظهر حكما ومعنى اذا يقال رسول الله وصاحب رسول الله فلما مات قيل خليفة رسول الله ثم انقطعت اضافة الخلافة بموته فقيل أمير المؤمنين فاقاما في الغار ثلاثا ثم خرجا منه ولسان القدر يقول لتدخلنها دخولا لم يدخله أحد قبلك ولا ينبغي لاحد من بعدك فلما استقلا علي البيداء لحقهما سراقة بن مالك فلما شارف الظفر أرسل عليه الرسول سهما من سهام الدعاء فساخت قوائم فرسه في الارض الى بطنها فلما علم انه لا سبيل له عليهما أخذ يعرض المال علي من قد رد مفاتيح الكنوز ويقدم الزاد الي شبعان أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني كان تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون الجميع فهو الثاني في الاسلام وفي بذل النفس وفي الزهد وفي الصحبة وفي الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت لان الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات اسلم على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وكان عنده يوم أسلم أربعون الف درهم فانفقها أحوج ما كان الاسلام اليها فلهذا اجلبت نفقته عليه ما نفعنى مال ما نفعنى مال أبي بكر فهو خير من مؤمن آل فرعون لان ذلك كان يكتم ايمانه والصديق اعلن به وخير من مؤمن آل ياسين لان ذلك جاهد ساعة والصديق جاهد سنين عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار ويصيح من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فألقى له حب المال علي روض الرضا واستلقى على فراش الفقر فنقل الطائر الحب الى حوصلة المضاعفة ثم علا على افنان شجرة الصدق يغرد

بفنون المدح ثم قال في محاريب الاسلام يتلو وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى نطقت بفضله الآيات والاخبار واجتمع على بيعته المهاجرون والانصار فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار أتري لم يسمع الروافض الكفار ثانى اثنين اذ هما فى الغار دعى الي الاسلام فما تلعثم ولا أبى وسار علي المحجة فما زل ولا كبا وصبر فى مدته من مدى العدى علي وقع الشبا واكثر فى الانفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا تالله لقد زاد علي السبك فى كل دينار دينار ثاني اثنين إذ هما فى الغار من كان قرين النبي في شبابه من ذا الذي سبق إلي الإيمان من أصحابه من الذى أفتى بحضرته سريعا في جوابه من أول من صلي معه من آخر من صلى به من الذي ضاجعه بعد الموت فى ترابه فاعرفوا حق الجار نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الالحاظ فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره ولكن أين الفرار كم وقى الرسول بالمال والنفس وكان أخص به فى حياته وهو ضجيعه فى الرمس فضائله جليلة وهى خلية عن اللبس ياعجبا من يغطى عين ضوء الشمس في نصف النهار لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث فاستوحش الصديق من خوف الحوادث فقال الرسول ما ظنك باثنين والله الثالث فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث فزال القلق وطاب عيش الماكث فقام مؤذن النصر ينادى على رؤوس منائر الامصار ثاني اثنين اذ هما فى الغار حبه والله رأس الحنيفة وبغضه يدل على خبث الطوية فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية لولا صحة مامته ما قيل ابن الحنيفة مهلا فأن ذم الروافض قد فار والله ما أحببناه لهوانا ولا نعتقد في غيره هوانا ولكن أخذنا بقول على وكفانا رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا تالله لقد أخذت من الروافض بالثار

تالله لقد وجب حق الصديق علينا فنحن نقضي بمدائحه ونفر بما نقر به من السنى عينا فمن كان رافضيا فلا يعد الينا وليقل لي أعذار تنبيه
اجتنب من يعادى أهل الكتاب والسنة لئلا يعديك خسرانه احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخلق صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ورئاسته من خلق فيه قوة واستعداد لشيء كانت لذته فى استعمال تلك القوة فيه فلذة من خلقت منه قوه وأستعداد للجماع أستعمال قوته فيه ولذ1ة من خلقت فيه قوة الغضب والثواب باستعمال قوته الغضبية فى متعلقها ومن خلقت فيه قوة الاكل والشرب فلذته باستعمال قوته فيهما ومن خلقت فيه قوة العلم والمعرفة فلذته باستعمال قوته وصرفها الى العلم ومن خلقت فيه قوة الحب لله والانابة اليه والعكوف بالقلب عليه والشوق اليه والأنس به فلذته ونعيمه استعمال هذه القوة فى ذلك وسائر اللذات دون هذه اللذة مضمحلة فانية واحمد عاقبتها أن تكون لا له ولا عليه تنبيه
يا أيها الأعزلاحذر فراسة المتقى فانه يرى عورة عملك من وراء ستر أتقوا فراسة المؤمن سبحان الله فى النفس كبر ابليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون وبغى قارون وقحة هامان

وهوى بلعام وحيل اصحاب السبت وتمرد لوليد وجهل أبي جهل وفيها من أخلاق البهائم حرص الغراب وشره الكلب ورعونة الطاووس ودناءة الجعل وعقوق الضب وحقد الجمل ووثوب الفهد وصولة الاسد وفسق الفأرة وخبث الحية وعبث القرد وجمع النملة ومكر الثعلب وخفة الفراش ونوم الضبع غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم فما اشترى الا سلعة هذبها الايمان فخرجت من طبعها الى بلد سكانه التائبون العابدون سلم المبيع قبل أن يتلف في يدك فلا يقبله المشتري قد علم المشتري بعيب السلعة قبل أن يشتريها فسلمها ولك الامان من الرد قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادى عليها فاذا كان المشتري عظيما والثمن خطيرا والمنادى جليلا كانت السلعة نفيسة
يا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب
وبائعا طيب عيش ما له خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب
غبنت والله غبنا فاحشا ولدى ... يوم التغابن تلقى غاية الحرب
وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد حقا ليس بالكذب
وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدني من العطب
ترجوا الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب
ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم ... وصفاللطخ جمال فيه مستلب
وواهبا نفسه من مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر النفس لم تهب
شاب الصبا والتصابي لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب
وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والفيء في الأفق الشرقي لم يغب

وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك فى الطلب
ما فى الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من شكر ولا أرب
فافرش الخد ذياك التراب وقل ... ما قاله صاحب الأشواق والحقب
ما ربع مية محفوفا يطيف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب
منازلا كان يهواها ويألفها ... ايام كان منال الوصل عن كثب
ولا الخدود ولو أدمين من ضرج ... اشهى الى ناظرى من ربعك الخرب
وكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى اليها هوى الماء فى الصبب
أحيى له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعى القلب للسلوان لم يجب
هذا وكم منزل فى الأرض يألفه ... وماله فى سواها الدهر من رغب
ما فى الخيام اخو وجدير يحك إن ... بثثته بعض شان الحب فاغترب
واسر فى غمرات الليل متهديا ... بنفحة الطيب لا بالعود والحطب
وعاد كل أخى جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك فى الحرب
وخذ لنفسك نورا تستضىء به ... يوم اقتسام الورى الانوار بالرتب
ان كان يوجب صبري رحمتي فرضا ... بسوء حالى وحل للضنا بدني
منحتك الروح لا أبغى لها ثمنا ... الا رضاك ووافقرى الا الثمن
أحن بأطراف النهار صبابه ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
واذا لم يكن من العشق بد ... فمن عجز عشق غير الجميل

فلو أن ما أسعى لعيش معجل ... كفانى منه بعض ما أنا فيه
ولكنما أسمى لملك مخلد ... فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه
يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك انما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذى بلبان البر وقلب بأيدى الالطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة وصورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد منشور اختيارنا لك واضح الخط ولكن استخراجك ضعيف متي رمت طلبى فاطلبني عندك اطلبني منك تجدني قريبا ولا تطلبني من غيرك فانا أقرب اليك منه لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها بالمعاصي انما أبعدنا ابليس اذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فوا عجبا كيف صالحته وتركتنا لو كان في قلبك محبة لبان أثرها علي جسدك
ولما ادعيت الحب قالت كذبتي ... ألست أري الأعضاء منك كواسيا
لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات
ولو كنت عذري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل
لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكرك بالحبيب واعجبا لمن يدعى المحبة ويحتاج الي من يذكره بمحبوبة فلا يذكره الا بمذكر أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب
ذكرتك لا أني نستك ساعة ... وايسر ما في الذكر ذكر لساني
اذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه فكان الحب في مقدمة العسكر والرجاء يحدو بالمطى والشوق يسوقها والخوف يجمعها علي الطريق فاذا شارف قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء
فداو سقما بجسم انت متلفه ... وابرد غراما بقلب انت مضرمه
ولا تكلني على بعد الديار الي ... صبرى الضعيف فصبري أنت تعلمه

تلقى قلبه فقد ارسلته عجلا ... الى لقائك والأشواق تقدمه
فاذا دخل علي الحبيب افيضت عليه الخلع من كل ناحية ليمتحن أيسكن اليها فتكون حظه ام يكون التفاته الى من ألبسه اياها ملأوا مراكب القلوب متاعا لا تنفق الا على الملك فلما هبت رياح السحر اقلعت تلك المراكب فما طلع الفجر الا وهي بالمينا قطعوا بادية الهوى باقدام الجد فما كان الا القليل حتى قدموا من السفر فاعقبهم الراحة في طريق التلقى فدخلوا بلد الوصل وقد حاز ربح الأبد فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فاقاموا العيون تحرس تارة وترش أخرى سرادق المحبة لا يضرب الا في قاع نزه فارغ
نزه فؤادك من سوانا والقنا ... فنجنابنا حل لكل منزه
الصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه
اعرف قدر ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت لو تخيلت قرب الأحباب لاقمت المأتم على بعدك لو استنشقت ريح الأسحار لافاق منك قلبك المخمور من استطال الطريق ضعف مشيه
وما انت بالمشتاق ان قلت بيننا ... طوال الليالى أو بعيد المفاوز
أما علمت أن الصادق اذا هم القى بين عينيه عزمه اذا نزل آب في القلب حل آذار في العين هان سهر الحراس لما علموا ان أصواتهم بسمع الملك من لاح له حال الآخرة هان عليه فراق الدنيا اذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف يا أقدام الصبر احملي بقى القليل تذكر حلاوة الوصال يهن عليك مر المجاهدة قد علمت أين المنزل فاحد لها تسر أعلي الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب قدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر بالرضا عند القدوم وقدموا لانفسهم الجنه ترضي منك باداء الفرائض والنار تندفع

عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك الا ببذل الروح لله ما أحلى زمان تسعى فيه أقدام الطاعة علي ارض الاشتياق لما سلم القوب النفوس الى رائض الشرع علمها الوفاق في خلاف الطبع فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها
واني اذا اصطكت رقاب مطيهم ... وثور حاد بالرفاق عجول
اخالف بين الراحتين على الحشا ... وأنظر أني ملثم فأميل
فصل علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا
من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل حرم صيد الجاهل والممسك لنفسه فما ظن الجاهل الذي أعماله لهوي نفسه جمع فيك عقل الملك وشهوة البهيمة وهوى الشيطان وأنت للغالب عليك من الثلاثة أن غلبت شهوتك وهواك زدت على مرتبة ملك وان غلبك هواك وشهوتك نقصت عن مرتبة كلب لما صاد الكلب لربه أبيح صيده ولما أمسك علي نفسه حرم ما صاده مصدر ما في العبد من الخير والشر والصفات الممدوحة والمذمومة من صفة المعطي المانع فهو سبحانه يصرف عباده بين مقتضى هذين الاسمين فحظ العبد الصادق من عبوديته بهما الشكر عند العطاء والافتقار عند المنع فهو سبحانه يعطيه ليشكره ويمنعه ليفتقر اليه فلا يزال شكورا فقيرا
قوله تعالى وكان الكافر على ربه ظهيرا هذا من ألطف خطاب القرآن وأشرف معانيه وان المؤمن دائما مع الله علي نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه فهو مع الله علي عدوه الداخل فيه والخارج عنه يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم له سبحانه كما يكون خواص الملك معه علي حرب اعدائه والبعيدون منه فارغون من ذلك غير مهتمين به

والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه علي ربه وعبارات السلف علي هذه تدور ذكر بن أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال عونا للشيطان علي ربه بالعداوة والشرك وقال ليث عن مجاهد قال يظاهر الشيطان علي معصية الله يعينه عليها وقال زيد بن أسلم ظهيرا أي مواليا والمعني أنه يوالي عدوه علي معصيته والشرك به فيكون مع عدوه معينا له علي مساخط ربه
فالمعية الخاصة لتي للمؤمن مع ربه وإله قد صارت لهذا الكافر والفاجر مع الشيطان ومع نفسه وهواه وقربانه ولهذا صدر الآية بقوله ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه بخلاف وليه سبحانه فانه معه علي نفسه وشيطانه وهواه وهذا المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله وبالله التوفيق
قوله تعالى والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا قال مقاتل اذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه وعميانا لم يبصروه ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به وقال ابن عباس لم يكونوا عليها صما وعميانا بل كانوا خائفين خاشعين وقال الكلبي يخرون عليها سمعا وبصرا وقال الفراء اذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولي كأنهم لم يسمعوه فذلك الخرور وسمعت العرب تقول قعد يشتمنى كقولك قام يشتمنى واقبل يشتمنى والمعني على ما ذكر لم يصيروا عندها صما وعميانا وقال الزجاج المعني اذا تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أمروا به وقال ابن قتيبة أي لم يتغافلوا عنها كانهم صم لم يسمعوها وعمى لم يروها قلت ههنا أمران ذكر الخرور وتسليط النفي عليه وهل هو خرور القلب أو خرور البدن

للسجود وهل لمعنى لم كن خرورهم عن صمم وعمه فلهم عليها خرورا بالقلب خضوعا أو بالبدن سجودا أو ليس هناك خرور وعبر به عن القعود
أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة تعلق القلب بغير الله وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك والظلم والفواحش فغاية التعلق بغير الله شرك وان يدعى معه اله آخر وغاية طاعة القوة الغضبية القتل وغاية القوة الشهوانية الزنا ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون وهذه الثلاثة يدعو بعضها الى بعض فالشرك يدعو الى الظلم والفواحش كما ان الاخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه قال تعالى
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فالسوء العشق والفحشاء الزنا وكذلك الظلم يدعو الى الشرك والفاحشة فان الشرك اظلم لظلم كما أن أعدل العدل التوحيد فالعدل قرين التوحيد والظلم قرين الشرك ولهذا يجمع سبحانه بينهما أما الاول ففي قوله شهد اللهأنه لا اله الا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط وأما الثاني فكقوله تعالى ان الشرك لظلم عظيم والفاحشة تدعو الى الشرك والظلم ولا سيما اذا قويت ارادتها ولم تحصل الا بنوع من الظلم بالظلم والاستعانة بالسحر والشيطان وقد جمع سبحانه بين الزنا والشرك في قوله
الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها الا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فهذه الثلاثة يجر بعضها الى بعض ويامر بعضها ببعض ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدا وأعظم شركا كان أكثر فاحشة واعظم تعلقا بالصور وعشقا لها ونظير هذا قوله تعالى وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون فاخبر أن ما عنده خير لمن آمن به وتوكل عليه وهذا هو التوحيد ثم قال والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش فهذا اجتناب داعي القوة الشهوانية ثم قال

واذا ما غضبوا هم يغفرون فهذا مخالفة القوة الغضبية فجمع بين التوحيد والعفة والعدل التي هي جماع الخير كله
فائدة هجر القرآن أنواع أحدها هجر سماعه والايمان به والاصغاء اليه
والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وان قرأه وآمن به والثالث هجر تحكيمه والتحاكم اليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به وكل هذا داخل في قوله وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وأن كان بعض الهجر اهون من بعض وكذلك لحرج الذي فى الصدور منه فانه تارة يكون حرجا من إنزاله وكونه حقا من عند الله وتارة يكون من جهة لتكلم به أو كونه مخلوقا من بعض مخلوقاته الهم غيره أن تكلم به وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا يكفي العباد بل هم محتاجون معه الى المعقولات والأقيسة أو الأراء أو السياسات وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب أو أريد به تأويلها واخراجها عن حقائقها الي تأويلات مستكرهة مشتركة وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وان كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الامر أو أوهم أنها مرادة لضرب المصلحة فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم ولا تجد مبتدعا في دينه قط الا وفي قلب حرج من الآيات التي تخالف بدعته كما نك لا تجد ظالما فاجرا الا وفى صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين ارادته فتدبر هذا لمعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء

فائدة كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين أحدهما أن يصير هيئة راسخة وصفة
لازمة له الثاني أن يكون صفة كمال في نفسه فاذا لم يكن كذلك لم يكن كمالافلا يليق بمن يسعى فى كمال نفسه المنافسة عليه ولا الأسف على فوته وذلك ليس الا معرفة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الذي لا صلاح لها ولا نعيم ولا لذة الا بمعرفته وارادة وجهه وسلوك الطريق الموصلة اليه والى رضاه وكرامته وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة وما عدا ذلك من العلوم والارادات والأعمال فهي بين مالا ينفعها ولا يكملها وما يعود بضررها ونقصها وألمها ولا سيما اذا صار هيئة راسخة لها فانها تعذب وتتألم به بحسب لزومه لها وأما الفضائل المنفصلة عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه والمال فتلك فى الحقيقة عوار اعيرتها مدة ثم يرجع فيها المعير فتتألم وتتعذب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها ولا سيما اذا كانت هي غاية كمالها فاذا سلبتها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة فليتدبر من يريد سعادة نفسه ولذتها هذه النكتة فاكثر هذا الخلق انما يسعون في حرمان نفوسهم وألمها وحسرتها ونقصها من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها فلذتها بحسب ما حصل لها من تلك المعرفة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بحسب ما فاتها من ذلك ومتى عدم ذلك وخلا منه لم يبق فيه الا القوى البدنية النفسانية التي بها يأكل ويشرب وينكح ويغضب وينال سائر لذاته ومرافق حياته ولا يلحقه من جهتها شرف ولا فضيلة بل خساسة ومنقصة اذ كان انما يناسب بتلك القوى البهائم ويتصل بجنسها ويدخل في جملتها ويصير كأحدها وربما زادت في تناولها عليه واختصت دونه بسلامة عافيتها والأمن من جلب الضرر عليها فكمال تشاركك فيه البهائم وتزيد عليك وتختص عنك فيه بسلامة العاقبة حقيق أن تهجره الي الكمال الحقيقى الذي لا كمال سواه وبالله التوفيق

فائدة جليلة اذا أصبح العبد وأمسي وليس همه الا الله وحده تحمل الله
سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وان أصبح وأمسي والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله الى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره لكل من أعرض عن عبودية اللله وطاعته ومحبته بلى بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين قال سفيان بن عيينة لا تأتون بمثل مشهور للعرب الا جئتكم به من القرآن فقال له قائل فأين في القرآن اعط أخاك تمرة فان لم يقبل فاعطه جمرة فقال في قوله
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا الآية
فائدة العلم نقل صورة المعلوم من الخارج واثباتها في النفس ولعمل نقل
صورة علمية من النفس واثباتها في الخارج فان كان الثابت في النفس مطابقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح وكثيرا ما يثبت ويترا أي في النفس صور ليس لها وجود حقيقى فيضنها الذي قد أثبتها في نفسه علما وانما هي مقدرة لا حقيقية لها واكثر علوم الناس من هذا الباب وما كان منها مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان نوع تكمل النفس بادراكه والعلم به وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه ونوع لا يحصل به للنفس كمال وهو كل علم لا يضر الجهل به فانه لا ينفع العلم به وكان النبي يستعيذ بالله من علم لا ينفع وهذا حال أكثر لعلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئا كالعلم بالفلك

ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال والوانها ومساحتها ونحو ذلك فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة اليه وليس ذلك الا العلم بالله وتوابع ذلك واما العلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله الدينى الذي يحبه الله ويرضاه وذلك يكون من فساد العلم تارة ومن فساد الارادة تارة ففساد من جهة العلم ان يعتقد ان هذا مشروع محبوب لله وليس كذلك او يعتقد انه يقر به الي الله وان لم يكن مشروعا فيظن انه يتقرب الي الله بهذا العمل وان لم يعلم انه مشروع وأما فساده من جهة القصد فان لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة بل يقصد به الدنيا والخلق وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيل الى السلامة منهما الا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة وارادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والرادة فمتى خلا من هذه المعرف وهذه الارادة فسد علمه وعمله والأيمان واليقين يورثان صحة المعرفة وصحة الارادة يورثان الايمان ويمدانه ومن هنا يتبين انحراف اكثر الناس عن الأيمان ولانحرافهم عن صحة المعرفة وصحة الارادة ولا يتم الايمان الا بتلقي المعرفة من مشكاة النبوة وتجريد الارادة عن شوائب الهوى وارادة الخلق فيكون علمه مقتبسا من مشكاة الوحى وارادته لله والدار الآخرة فهذا أصح الناس علما وعملا وهو من الأئمة الذين يهدون بامر الله ومن خلفاء رسوله في أمته
قاعدة الايمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه
تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء وعصم به المال والذرية ولا يجزىء باطن لا ظاهر له الا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن وخلوه من الايمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته فالايمان قلب الاسلام ولبه

واليقين قلب الايمان ولبه وكل علم وعمل لا يزيد الايمان واليقين قوة فمدخول وكل ايمان لا يبعث على العمل فمدخول
قاعدة التوكل على الله نوعان احدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد
وحظوظه الدنيوية او دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية والثاني التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الايمان واليقين والجهاد والدعوة اليه وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه الا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومتي توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه فاعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة اتباعهم
التوكل تارة يكون توكل اضطرار والجاء بحيث لا يجد العبد ملجأ ولا وزرا الا التوكل كما اذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن ان لا ملجأ من الله الا اليه وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة وتارة يكون توكل اختيار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي الى المراد فان كان السبب مأمورا به ذم على تركه وان قام السبب وترك التوكل ذم على تركه أيضا فانه واجب باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما وان كان السبب محرما حرم عليه مباشرته وتوحد السبب في حقه في التوكل فلم يبق سبب سواه فان التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه بل هو أقوى الأسباب على الاطلاق وان كان السبب مباحا نظرت هل يضعف قيامك به التوكل أو لا يضعفه فان أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه اولى وان لم يضعفه فمباشرته أولى لأن حكمه أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته

مهما أمكنك القيام بها ولا سيما اذا فعلته عبودية فتكون قد أتيت بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوى به القربة والذي يحقق لتوكل القيام بالأسباب المأمور بها فمن عطلها لم يصح توكله كما أن القيام بالأسباب المفضية الي حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنيا كما أن من عطلها يكون توكله عجزا وعجزه توكلا
وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب علي الله وحده فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون اليها كما لا ينفعه قوله توكلت علي الله مع اعتماده على غيره وركونه اليه وثقته به فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء كما أن توبة اللسان مع اصرار القلب شيء وتوبة القلب وان لم ينطق اللسان شيء فقول العبد توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله تبت الي الله وهو مصر على معصيته مرتكب لها
فائدة الجاهل يشكو الله الي الناس وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو
اليه فانه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا اليهم ورأى بعض السلف رجلا يشكو الي رجل فاقته وضرورته فقال يا هذا والله ما زدت على ان شكوت من يرحمك وفي ذلك قيل
اذا شكوت الي ابن آدم انما ... تشكو الرحيم الى الذي لا يرحم
والعارف انما يشكو الى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه الي الله من نفسه لا من الناس فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه فهو ناظر الى قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وقوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا

قل هو من عند أنفسكم فالمراتب ثلاثة أخسها أن تشكو الله الى خلقه وأعلاها أن تشكو نفسك اليه وأوسطها أن تشكو خلقه اليه
قاعدة جليلة قال الله تعالى
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول اذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه واليه تحشرون فتضمنت هذه الآية أمورا أحدها ان الحياة النافعة انما تحصل بالاستجابة لله ورسوله فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وان كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا وباطنا فهؤلاء هم الأحياء وان ماتوا وغيرهم أموات وان كانوا احياء الأبدان ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول فان كان ما دعا اليه ففيه الحياة فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول قال مجاهد لما يحيكم يعني للحق وقال قتادة هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة وقال السدى هو الاسلام أحياهم به بعد موتهم بالكفر وقال ابن اسحق وعروة بن الزبير واللفظ له لما يحيكم يعنى للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل وقواكم بعد الضعف ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم وهذه كل عبارات عن حقيقة واحدة وهى القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا قال الواحدى والأكثرون على ان معنى قوله لما يحيكم هو الجهاد وهو قول ابن اسحق واختيار أكثر أهل المعاني قال الفراء اذا دعاكم الي احياء أمركم بجهاد عدوكم يريد ان أمرهم انما يقوى بالحرب والجهاد فلو تركوا لجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم قلت الجهاد من أعظم ما يحيهم به فى الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة أما في الدنيا فان قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد وأما في البرزخ فقد قال تعالى ولا تحسبن

الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وأما في الآخرة فان حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم ولهذا قال ابن قتيبة لما يحيكم يعني الشهادة وقال بعض المفسرين لما يحيكم يعني الجنة فانها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة الطيبة حكاة أبو علي الجرجاني والآية تتناول هذا كله فان الايمان والاسلام والقرآن والجهاد يحي القلوب الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة والرسول داع الي الايمان والى الجنة فهو داع الى الحياة في الدنيا والآخرة والانسان مضطر الى نوعين من الحياة حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره ومتي نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل والغى والرشاد والهوى والضلال فيختار الحق علي ضده فتفيده هذه الحياة قوة التميز بين النافع والضار في العلوم والارادات والأعمال وتفيده قوة الايمان والارادة والحب للحق وقوة البغض والكراهة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة كما ان البدن الحى يكون شعوره واحساسه بالنافع والمؤلم أتم ويكون ميله الي النافع ونفرته عن المؤلم أعظم فهذا بحسب حياة البدن وذاك بحساب حياة القلب فاذا بطلت حياته بطل تمييزه وان كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع علي الضار كما ان الانسان لا حياة له حتي ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه فيصير حيا بذلك النفخ وان كان قبل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول من الروح الذي ألقى اليه قال تعالى
ينزل الملائكة بالروح من أمره علي من يشاء من عباده وقال يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا لايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فاخبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول

الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له احدى الحياتين وفاتته الأخرى الأخرى قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فجمع له بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابة بين الموت والظلمة قال ابن عباس وجميع المفسرين كان كافرا ضالا فهديناه
وقوله وجعلنا له نورا يمشي به في الناس يتضمن امورا احدها انه يمشي في الناس بالنور وهم في الظلمة فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ما يحذره فيها وثانيها انه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون منه لحاجتهم الى النور وثالثها انه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط اذا بقى اهل الشرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم
وقوله
واعلموا ان الله يحؤل بين المرء وقلبه المشهور في الآية انه يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الايمان ويحول بين اهل طاعته وبين معصيته وبين اهل معصيته وبين طاعته وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين وفي الآية قول آخر ان المعنى انه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافيه فهو بينه وبين قلبه ذكره الواحدي عن قتادة وكان هذا انسب بالسياق لأن الاستجابة اصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب فان الله سبحانه بين العبد وبين قلبه فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه وعلي القول الأول فوجه المناسبة انكم ان تثاقلتم عن الاستجابة و أبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة عقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانة فيكون كقوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله

فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب وان استجاب بالجوارح وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة وبين القدر والايمان به فهي كقوله لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن الا أن يشاء الله رب العالمين وقوله فمن شاء ذكره وما يذكرون الا أن يشاء الله والله أعلم
فائدة جليلة قوله تعالى
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقوله عز و جل وان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية علي نفسه منه وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده ويحب الموادعة و المتاركة وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في امساكها خير كثير لا يعرفه ويحب المرأة لوصف من أصافها وله في أمساكها شر كثير لا يعرفه لانسان كما وصفه وصفه به خالقه ظلوم جهول فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار علي ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه فانفع الأشياء له علي الاطلاق طاعةربه بظاهره وباطنه وأضر الأشياء عليه علي الاطلاق معصيته بظاهره وباطنه فاذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرا له وذا تخلي عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينا ان المكروهات التي تصيبه والمحن لتي تنزل به فيها

ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب
فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها فانظر الى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقى والاصلاح حتي أثمرت أشجارها فاقبل عليها يفصل اوصالها ويقطع أغصانها لعلمه انها لو خليت على حالها لم تطب ثمرتها فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة حتي اذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها اقبل بقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثمرتها ان تكون بحضرة الملوك ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا ولا يترك الماء عليها دائما وان كان ذلك انضر لورقها واسرع لنباتها ثم يعمد الى تلك الزينة التى زينت بها من الأوراق فيلقى عنها كثيرا منها لان تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما في شجر العنب ونحوه فهو يقطع اعضاءها بالحديد ويلقى عنها كثيرا من زينتها وذلك عين مصلحتها فلو انها ذات تمييز وادراك كالحيوان لتوهمت ان ذلك إفساد لها واضرار بها وانما هو عين مصلحتها
وكذلك الأب الشفيق علي ولده العالم بمصلحته اذا رأى مصلحته في اخراج الدم الفاسد عنه بضع جلده وقطع عروقه واذاقه الالم الشديد وان رأى شفاة في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه كان ذلك رحمة به وشفقة عليه وان رأى مصلحته فى ان يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه لعلمه ان ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعبادة منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم اذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم نظرا منه لهم واحسانا اليهم ولطفا بهم ولو مكنوا من الاحتيار لانفسهم

لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وارادة وعملا لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته أحبوا أم كرهوا فعرف ذلك الموقنون باسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه وخفي ذلك على الجهل به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا فى حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا والله الموفق
ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة فانه لا يزال راضيا عن ربه والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين فانه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التى هي عين اختيار الله له وطمأنينتها الى أحكامه الدينية وهذا هو الرضا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وما ذاق طعم الايمان من لم يحصل له ذلك وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضي فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة لا يخرج عن ذلك البته كما قال في الدعاء المشهور اللهم اني عبدك ابن عبدك أبن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم ه لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ما قالها أحد قط الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا قالوا أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال بلا ينبغى لمن يسمعهن أن يتعلمهن
والمقصود قوله عدل في قضاؤك وهذا يتناول كل قضاء يقضيه علي عبده من عقوبة أو ألم وسبب ذلك فهو الذي قضى بالسبب وقضي بالمسبب وهو عدل في هذا القضاء وهذا القضاء خير للمؤمن كما قال والذى نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك الا للمؤمن قال العلامة ابن القيم فسألت شيخنا هل يدخل فى ذلك قضاء الذنب فقال نعم بشرطه

فاجمل فى لفظه بشرطه ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك
فائدة لا تتم الرغبة فى الآخرة الا بالزهد فى الدنيا ولا يستقيم الزهد
فى الدنيا الا بعد نظرين صحيحين نظر فى الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما فى ذلك من الغصص والنغص والانكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين
النظر الثاني النظر في الآخرة واقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهى كمال الله سبحانه والآخرة خير وأبقى فهى خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة فاذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل ايثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على ان لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة الى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة الى اذا تبين له فضل الأجل على العاجل وقويت رغبته فى الأعلى الأفضل فاذا آثر الفاني الناقص كان ذلك اما لعدم تبين الفضل له وأما لعدم رغبته في الافضل
وكل واحد من الامرين يدل على ضعف الايمان وضعف العقل والبصيرة فان الراغب فى الدنيا الحريص عليه المؤثر لها اما ان يصدق بان ما هناك أشرف وأفضل وأبقى وإما أن لا يصدق بذلك كان عادما للايمان رأسا وان صدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه فايثار الدنيا على الآخرة

أما من فساد فى الايمان واما من فساد فى العقل وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا اليها وعدوها سجنا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب لوصلوا منها الى كل مرغوب فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا دار سرور وانها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل قال النبي مالى وللدنيا انما انا كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركها وقال ما الدنيا في الآخرة الا كما يدخل أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر بما ترجع وقال خالقها سبحانه أنما مثل حياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والأنعام حتى اذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم فاخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا اليها وقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقال تعالى اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور وقال تعالى
وزين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده حسن

المآب قل أؤنتبكم بخير منكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وقال تعالي وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا فى الآخرة الا متاع
وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا وأطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون اولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون وعير سبحانه من رضى بالدنيا من المؤمنين فقال يا أيها الذين آمنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم الي الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل وعلي قدر رغبة العبد فى الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفى في بالزهد فى الدنيا قوله تعالى أفرأيت ان متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون وقوله ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا الا ساعة من النهار يتعارفون بينهم وقوله كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثو الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون وقوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها الى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية اوضحاها وقوله ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة وقوله قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال ان لبثتم الا قليلا لو انكم كنتم تعلمون وقوله يون ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم ان لبثتم الا عشرا نحن أعلم بما يقولون اذ يقول أمثلهم طريقة ان لبثتم الا يوما والله المستعان وعليه التكلان

قاعدة أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم
يشأ لم يكن فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع اليه أن لا يقطعها عنك وان السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل اليه أن يحول بينك وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات الى نفسك وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده وأجمعوا أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسكوان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك فاذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله إلى نفسك وأن لا بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة اليه فمتي أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتي أضله عن المفتاح بقى باب الخير مرتجا دونه
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم الدعاء فاذا ألهمت الدعاء فان الاجابة معه وعلى قدرنية العبد وهمته ومراده ورغبته فى ذلك يكون توفيقه سبحانه واعانته فالمعونة من الله تنزل علي العباد علي قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي الا من قبل أضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه الا بقيامة بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر فانه من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله خلقت النار لاذابة القلوب القاسية أبعد القلوب من الله القلب القاسي اذا قسي القلب قحطت العين قسوة القلب من أربعة أشياء اذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة كما

ان البدن اذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب فكذلك القلب اذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها القلوب آنية الله فى أرضه فأحبها اليه أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قلوبهم بالدنيا ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت فى معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت الي أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد اذا غذى القلب بالتذكر وسقى بالتفكر ونقى من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفة والحكمة عارية على لسانه خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر اذا زهدت القلوب فى موائد الدنيا قعدت علي موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة واذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد الشوق الي الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرسله فى الناس اضطرب واشتد به القلق لا تدخل محبة الله فى قلب فيه حب الدنيا الا كما يدخل الجمل فى سم الابرة اذ أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعري كما يعري الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والانابة والخدمة إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواه بد ولا بذلك منه من ترك الاختيار والتدبير فى طلب زيادة دنيا أو جاه أو فى خوف نقصان أو فى التخلص من عدو توكلا علي الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له فالقى كنفه بين يديه وسلم الأمر اليه ورضي بما يقضيه له استراح من

الهموم والغموم والأحزان ومن أبي الا تدبيره لنفسه وقع فى النكد والنصب وسوء الحال والتعب فلا عيش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ولا راحة تدوم والله سبحانه سهل لخلقه السبيل اليه وحجبهم عنه بالتدبير فمن رضى بتدبير الله له وسكن الى اختياره وسلم لحكمه أزال ذلك الحجاب فأفضى القلب الى ربه واطمأن إليه وسكن المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد علي الله ولا يدخر مع الله من شبغل بنفسه شغل عن غيره ومن شغل بربه شغل عن نفسه الاخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه فيبطله الرضا سكون القلب تحت مجارى الأحكام الناس فى الدنيا معذبون على قدر هممهم بها للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها ثلاثة سافلة وثلاثة عالية فالسافلة دنيا تزين له ونفس تحدثه وعدو يوسوس له فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها والثلاثة العالية علم يتبين له وعقل يرشده واله يعبده والقلوب جوالة فى هذه المواطن اتباع لهوى وطول الأمل مادة كل فساد فان اتباع الهوى يعمى عن الحق معرفة وقصدا وطول الأمل ينسى الآخرة ويصد عن الاستعداد لها لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره اذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه ممسكا عن ذنب غيره جوادا بما عنده زاهدا فيما عنده محتملا لأذى غيره وان أراد به شرا عكس ذلك عليه الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر او اطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية فاذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت فى أودية الوساوس والخطرات من عشق الدنيا نظرت الي قدرها عنده فصيرته من خدمها وعبيدها واذلته ومن أعرض عنها نظرت الي كبر قدره فخدمته وذلت له انما يقطع السفر

ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فاذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل الى مقصده
فائدة جليلة كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن
يقول علي الله غير الحق فى فتواه وحكمه فى خبره والزامه لان أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فانهم لا تتم لهم أغراضهم الا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فاذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذلك الا بدفع ما يضاده من الحق ولا سيما اذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق وان كان الحق ظاهرا لا خفاء به ولا شبة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة وفى هؤلاء وأشباههم قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وقال تعالى فيهم أيضا فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدني ويقولون سيغفر لنا وان يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون فاخبر سبحانه أنهم اخذوا العرض الأدني مع علمهم بتحريمه عليهم وقالوا سيغفر لنا وان عرض لهم عرض آخر أخذوه فهم مصرون على ذلك وذلك هو الحامل لهم على ان يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك أولا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه فتارة يقولون على الله مالا يعلمون وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه
وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم

حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها والآخرة واقبالها ودوامها وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا فى الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران فان اتباع الهوى يعمى عين القلب فلا يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة فهذه آفة العلماء اذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات وهذه الآيات فيهم الى قوله
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه
وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمة وذلك من وجوه أحدها انه ضل بعد العلم واختار الكفر على الايمان عمدا ولا جهلا وثانيها أنه فارق الايمان مفارقه من لا يعود اليه أبدا فانه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من قشرها ولو بقى معه منها شيء لم ينسلخ منها وثالثها أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه ولهذا قال فاتبعه الشيطان ولم يقل تبعه فان فى معنى اتبعه أدركه ولحقه وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى ورابعها أنه غوى بعد الرشد والغى الضلال فى العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال أخص فساد العلم والاعتقاد فاذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإن اقترنا فالفرق ما ذكر وخامسها أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه لأنه لم رفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيرا له وأخف لعذابه وسادسها انه سبحانه اخبر عن خسة همته وأنه اختار الاسفل الادني على الاشرف الاعلى وسابعها أن اختياره للادني لم يكن عن خاطر وحديث نفس ولكنه كان عن اخلاد الى الارض وميل بكليته الى ما هناك وأصل الاخلاد اللزوم على الدوام

كأنه قيل لزم الميل الى الارض ومن هذا يقال أخلد فلان بالمكان اذا لزم الاقامة به قال مالك بن نويرة
بأبناء حى من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
وعبر عن ميله الى الدنيا باخلاده الى الارض لان الدنيا هي الارض وما فيها وما يستخرج منها من الزينة والمتاع وثامنها أنه رغب عن هداه واتبع هواه فجعل هواه اماما له يقتدي به ويتبعه وتاسعها أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات همه وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كلبا ولهذا سمى كلبا وعاشرها أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها بلهث الكلب فى حالتي تركه والحمل عليه بالطرد وهكذا هذا ان ترك فهو لهثان على الدنيا وان وعظ وزجر فهو كذلك فاللهث لا يفارقه فى كل حال كلهث الكلب قال ابن قتيبة كل شيء يلهث فانما يلهث من اعياء أو عطش الا الكلب فانه يلهث فى حال الكلال وحال الراحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلا لهذا الكافر فقال ان وعظته فهو ضال وان تركته فهو ضال كالكلب ان طردته لهث وان تركته على حاله لهث وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب وانما وقع بالكلب اللاهث وذلك أخس ما يكون وأشنعه
فصل فهذا حال العالم المؤثر الدنيا علي الآخرة وأما العابد الجاهل
فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نفسه ولهذا قال سفيان ابن عيينة وغيره احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد الجاهل فان فتنتهما فتنة لكل مفتون فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه وذاك بغية يدعو الى الفجور وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني برىء منك اني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما

أنهما فى النار خلدين فيها وذلك جزاء الظالمين وقصته معروفة فانه بنى أساس أمره على عبادة الله بجهل فاوقعه الشيطان بجهله وكفره بجهله فهذا امام كل عابد جاهل يكفر ولا يدري وذاك امام كل عالم فاجر يختار الدنيا على الآخرة وقد جعل سبحانه رضى العبد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته وتدبرها والعمل بها سبب شقائه وهلاكه ولا يجتمع هذان أعنى الرضى بالدنيا والغفلة عن آيات الرب الا في قلب من لا يؤمن بالمعاد ولا يرجو لقاء رب العباد والا فلو رسخ قدمه فى الايمان بالمعاد لما رضى الدنيا ولا اطمأن اليها ولا أعرض عن آيات الله وأنت اذا تأملت احوال الناس وجدت هذا الضرب هو الغالب علي الناس وهم عمار الدنيا وأقل الناس عددا من هو على خلاف ذلك وهو من أشد الناس غربة بينهم لهم شان وله شأن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم وطريقه غير طريقهم فهو فى واد وهم فى واد قال تعالي ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون
ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجري من تحتهم الانهار فى جنات النعيم فهؤلاء ايمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرضا بالدنيا والطمأنينة اليها ودوام ذكر آياته فهذه مواريث الايمان بالمعاد وتلك مواريث عدم الايمان به والغفلة عنه
فائدة عظيمة افضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب العبد ونال به
العبد الرفعة فى الدنيا والآخرة هو العلم والأيمان ولهذا قرن بينهما سبحانه فى قوله وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم فى كتاب الله الى يوم البعث وقوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وهؤلاهم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب العالية ولكن أكثر الناس غالطون فى حقيقة مسمى العلم والايمان اللذين بهما

السعادة والرفقة وفى حقيقتهما حتي ان كل طائفة تظن ان ما معها من العلم والايمان هو هذا الذي به تنال السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم ايمان ينجى ولا علم يرفع بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والايمان اللذين جاء بهما الرسول ودعا اليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم
فكل طائفة اعتقدت ان العلم ما معها وفرحت وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون واكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص والعلم وراء الكلام كما قال حماد بن زيد قلت لايوب العلم اليوم اكثر او فيما تقدم فقال الكلام اليوم اكثر والعلم فيما تقدم أكثر
ففرق هذا الراسخ بين العلم والكلام فالكتب كثيرة جدا والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة والعلم بمعزل عن أكثرها وهو ما جاء به الرسول عن الله قال تعالى
فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم وقال
ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من لعلم وقال فى القرآن انزله بعلمه أى وفيه علمه
ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس الى أن اتخذوا هواجس الافكار وسوانح الخواطر والآراء علما ووضعوا فيها الكتب وأنفقوا فيها الانفاس فضيعوا فيها الزمان وملأوا بها الصحف مدادا والقلوب سوادا حتى صرح كثير منهم انه ليس فى القرآن والسنة علم وان أدلتها لفظية لا تفيد يقينا ولا علما وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم وأذن بها بين أظهرهم حتي أسمعها دانيهم لقاصيهم فانسلخت بها القلوب من العلم والايمان كانسلاخ الحية من قشرها والثوب عن لابسه قال الامام العلامة شمس الدين ابن القيم ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض اتباع اتباع تلاميذ هؤلاء انه رآه يشتغل في بعض كتبهم ولم يحفظ القرآن فقال له لو حفظت القرآن أولا كان أولي فقال وهل فى القرآن علم قال ابن القيم وقال لي بعض أئمة هؤلاء انما نسمع الحديث لاجل البركة لا لنستفيد

منه العلم لان غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه قرروه ولا شك ان من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل
نزلوا بمكة فى قبائل هاشم ... ونزلت بالبطحاء أبعد منزل
قال وقال لي شيخنا مرة فى وصف هؤلاء انهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخس المطالب ويكفيك دليلا على ان هذا الذى عندهم ليس من عند الله ما ترى فيه من التنقائض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض قال تعالي ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهذا يدل على ان ما كان من عنده سبحانه لا يختلف وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الافكار دينا يدان به ويحكم به على الله ورسوله سبحانك هذا بهتان عظيم
وقد كان علم الصحابة الذى يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين كما حكى الحاكم فى ترجمة أبى عبد الله البخارى قال كان أصحاب رسول الله اذا اجتمعوا انما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ليس بينهم رأى ولا قياس ولقد أحسن القائل
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأى فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرا من التمثيل والتشبيه فصل
وأما الايمان فأكثر الناس أو كلهم يدعونه وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وأكثر المؤمنين انما عندهم ايمان مجمل وأما الايمان المفصل بما جاء به الرسول معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه فهذا ايمان

خواص الامة وخاصة الرسول وهو ايمان الصديق وحزبه وكثير من الناس حظهم من الايمان الاقرار بوجود الصانع وأنه وحده الذي خلق السموات والارض وما بينهما وهذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم وآخرون الايمان عندهم هو التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن وسواء وافق تصديق القلب أو خالفه وآخرون عندهم الايمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والارض وأن محمدا عبده ورسوله وان لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن وآخرون عندهم الايمان هو جحد صفات الرب تعالي من علوه على عرشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته وارادته وحبه وبغضه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فالايمان عندهم انكار حقائق ذلك كله وجحده والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يرد بعضهم على بعض وينقض بعضهم قول بعض الذين هم كما قال عمر بن الخطاب والامام أحمد مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب وآخرون عندهم الايمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسول وآخرون الايمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان بل ايمانهم مبنى علي مقدمتين احداهما أن هذا قول أسلافنا وآبائنا والثانية أن ما قالوه فهو الحق وآخرون عندهم الايمان مكارم الاخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه واحسان الظن بكل أحد وتخلية الناس وغفلاتهم وآخرون عندهم الايمان التجرد من الدنيا وعلائقها وتفريغ القلب منها والزهد فيها فاذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الايمان وان كان منسلخا من الايمان علما وعملا وأعلي من هؤلاء من جعل الايمان هو مجرد العلم وان لم يقارنه عمل وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الايمان ولا قاموا به ولا قام بهم وهم أنواع منهم من جعل الايمان ما يضاد الايمان ومنهم

من جعل الايمان ما لا يعتبر فى الايمان ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفى في حصوله ومنهم من اشترط فى ثبوته ما يناقضه ويضاده ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الايمان
والايمان وراء ذلك كله وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما والتصديق به عقدا والاقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة اليه بحسب الامكان وكماله في الحب فى الله والبغض فى الله والعطاء لله والمنع لله وأن يكون الله وحده الهه ومعبوده والطريق اليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن الالتفات الي سوى الله ورسوله وبالله التوفيق من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله الي نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله اليهم
فائدة جليلة انما يجد المشقة فى ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير
الله فأما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فانه لا يجد فى تركها مشقة الا فى أول وهلة ليمتحن اصادق هو فى تركها أم كاذب فان صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة قال ابن سيرين سمعت شريحا يحلف بالله ما ترك عبد لله شيئا فوجد فقده وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه حق والعوض أنواع مختلفة وأجل ما يعوض به الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى
أغبى الناس من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل العقول المؤيدة

بالتوفيق ترى ان ما جاء به الرسول هو الحق الموافق للعقل والحكمة والعقول المضروبة بالخذلان تري المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع أقرب الوسائل الى الله ملازمة السنة والوقوف معها فى الظاهر والباطن ودوام الافتقار الى الله وإرادة وجهه وحده بالاقوال والافعال وما وصل أحد الي الله الا من هذه الثلاثة وما انقطع عنه أحد الا بانقطاعه عنها أو عن أحدها الاصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة ولكل واحد منها ضد فمن فقد ذلك الاصل حصل علي ضده التوحيد وضده الشرك والسنة وضدها البدعة والطاعة وضدها المعصية ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة فى الله وفيما عنده ومن الرهبة منه ومما عنده
قاعدة جليلة قال الله تعالي
وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين وقال ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية والله تعالى قد بين فى كتابه سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء والاسباب التى وفق بها هؤلاء والاسباب التى خذل بها هؤلاء وجلا سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الابصار للضياء والظلام
فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيلان كما يستيبين للسالك الطريق الموصل الي مقصوده والطريق الموصل الى الهلكة فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم وهم الادلاء الهداة برز الصحابة علي جميع من أتي بعدهم الى يوم

القيامة فانهم نشأوا فى سبيل الظلال والكفر والشرك والسبل الموصلة الي الهلاك وعرفوها مفصلة ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات الى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم فخرجوا من الظلمة الشديدة الى النور التام ومن الشرك الى التوحيد ومن الجهل الى العلم ومن الغى الى الرشاد ومن الظلم الى العدل ومن الحيرة والعمى الى الهدى والبصائر فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به ومقدار ما كانوا فيه فان الضد يظهر حسنه الضد وانما تتبين الأشياء بأضدادها فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا اليه ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه وكانوا أحب الناس فى التوحيد والايمان والاسلام وأبغض الناس فى ضده عالمين بالسبيل على التفصيل
وأما من جاء بعد الصحابة فمنهم من نشأ فى الاسلام غير عالم تفصيل ضده فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فان اللبس انما يقع اذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب انما تنقض عري الاسلام عروة اذا نشأ فى الاسلام من لم يعرف الجاهلية وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه فانه اذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول فانه من الجاهلية فانها منسوبة الى الجهل وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن فى بعض سبيلهم انها من سبيل المؤمنين كما وقع فى هذه الأمة من أمور كثيرة فى باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف انها من سبيلهم في سبيل المؤمنين ودعا اليها وكفر من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله كما وقع لاكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا اليها وكفر من خالفها
والناس فى هذا الموضع أربع فرق الاولي من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علما وعملا وهؤلاء أعلم الخلق الفرقة الثانية من

عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك الفرقة الثالثة من صرف عنايته الى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل وان لم يتصوره على التفصيل بل اذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه وهو بمنزلة من سلمت نفسه من ارادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه اليها نفسه بخلاف الفرقة الأولى فانهم يعرفونها وتميل اليها نفوسهم ويجاهدونها علي تركها الله وقد كتبوا الى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسالة أيما أفضل رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله أو رجل نازعته اليها نفسه فتركها لله فكتب عمر ان الذى تشتهى نفسه المعاصي ويتركها لله عز و جل من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مفغرة وأجر عظيم وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه ايمانه ولا تورثه شبهة ولا شكا بل يزداد بمعرفتها بصيرة فى الحق ومحبة له وكراهة لها ونفرة عنها أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه فانه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به فيقوى ايمانه به كما ان صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها الى ضدها ازداد محبة لضدها ورغبة فيه وطلبا له وحرصا عليه فما ابتلي الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه اليها الا ليسوقه بها الي محبة ما هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه تلك المجاهدة الوصول الى المحبوب الأعلى فكلما نازعته نفسه الى تلك الشهوات وشتدت ارادته لها وشوقه اليها صرف ذلك الشوق والارادة والمحبة الى النوع العالي الدائم فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك فانها وان كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم ألا ترى ان من مشي الى محبوبة على الجمر

والشوك أعظم ممن مشي إليه راكبا على النجائب فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها الى غيره فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات إما حجابا له عنه أو حاجبا له يوصله الى رضاه وقربه وكرامته الفرقة الرابعة فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين مجملة وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك بل عرفه معرفة مجملة وان تفصلت له في بعض الأشياء ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكا لها اذا تاب ورجع عنها الى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره فى تصرفها وسلوكها
والمقصود ان الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب تبغض كما يجب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه الا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم
أرباب الحوائج على باب الملك يسألون قضاء حوائجهم وأولياؤه المحبون له الذين هو همهم ومرادهم جلساؤه وخواصه فاذا أراد قضاء حاجة واحد من أولئك اذن لبعض جلسائه وخاصته أن يشفع فيه رحمة له وكرامة للشافع وسائر الناس مطرودون عن الباب مضروبون بسياط العبد
فصل عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها علم لا يعمل به وعمل لا
اخلاص فيه ولا اقتداء ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعة في الدنيا ولا يقدمه

امامه الى الآخرة وقلب فارغ من محبة الله والشوق اليه والأنس به وبدن معطل من طاعته وخدمته ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره ووقت معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربه وفكر يجول فيما لا ينفع وخدمة من لا تقربك خدمته الى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسبر فى قبضته ولا يملك لنفسه حذرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا
وأعظم هذه الاضاعات اضاعتان هما أصل كل اضاعة اضاعة القلب واضاعة الوقت فاضاعة القلب من ايثار الدنيا على الآخرة واضاعة الوقت من طول الأمل فاجتمع الفساد كله فى اتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله فى اتباع لهدى والاستعداد للقاء والله المستعان
العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها الي الله ليقضيها له ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والاعراض وشفائه من داء الشهوات والشبهات ولكن اذا مات القلب لم يشعر بمعصيته
فصل لله سبحانه على عبده أمر أمره به وقضاء يقضيه عليه ونعمة ينعم
بها عليه فلا ينفك من هذه الثلاثة والقضاء نوعان اما مصائب واما معائب وله عليه عبودية فى هذه المراتب كلها فأحب الخلق اليه من عرف عبوديته فى هذه المراتب ووفاها حقها فهذا اقرب الخلق اليه وأبعدهم منه من جهل عبوديته فى هذه المراتب فعطلها علما وعملا فعبوديته فى الأمر وامتثاله اخلاصا واقتداءا برسول الله وفى النهى اجتنابه خوفا منه واجلالا ومحبة وعبوديته فى قضاء المصائب الصبر عليها ثم الرضا بها وهو أعلى منه ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرضا وهذا إنما يأتى منه اذا تمكن حبه من قلبه وعلم حسن اختياره له وبره به ولطفه به

وإحسانه اليه بالمصيبة وان كره المصيبة وعبوديته فى قضاء المعائب المبادرة الى التوبة منها والتنصل والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار عالما بانه لا يرفعها عنه الا هو ولا يقيه شرها سواه وأنها ان استمرت أبعدته من ربه وطردته من بابه فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره حتى انه ليراها أعظم من ضر البدن فه عائذ برضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته وبه منه مستجير وملتجىء منه اليه بعلم أنه ان تخلى عنه وخلى بينه وبين نفسه فعده أمثالها وشر منها وانه لا سبيل له الى الاقلاع والتوبة الا بتوفيقه وإعانته وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد فهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه أو يأتي بمرضاة سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته فهو ملتجىء اليه متضرع ذليل مسكين ملق نفسه بين يديه طريح بابه مستخذله أذل شيء واكسره له وأفقره وأحوجه اليه وأرغبه فيه واحبه له بدنه متصرف فى اشغاله وقلبه ساجد بين يديه يعلم يقينا انه لا خبر فيه ولا له ولا به ولا منه وان الخير كله لله وفى يديه وبه ومنه فهو ولي نعمته ومبتدئه بها من غير استحقاق ومجريها عليه مع تمقته اليه باعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سبحانه الحمد والشكر والثناء وحظ العبد الذم والنقص والعيب قد استأثر بالمحامد والمدح والثناء وولى العبد الملامة والنقائص ولعيوب فالحمد كله له والخير كله في يديه والفضل كله له والثناء كله له والمنة كلها له فمنه الاحسان ومن العبد الاساءة ومنه التودد الي العبد بنعمه ومن العبد التبغض اليه بمعاصيه ومنه النصح لعبده ومن العبد الغش له فى معاملته
وأما عبودية النعم فمعرقتها والاعتراف بها أولا ثم العياذ به ان يقع فى قلبه نسبتها وإضافتها الي سواه وان كان سببا من الأسباب فهو مسببه ومقيمه فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار ثم الثناء بها عليه ومحبته عليها وشكره بأن يستعملها فى طاعته ومن لطائف التعبد بالنعم أن يكثر قليلها عليه ويستقل كثير شكره عليها وبعلم انها وصلت اليه من سيده من غير ثمن بذله فيها ولا وسيلة منه توسل

بها اليه ولا استحقاق منه لها وانها لله فى الحقيقة لا للعبد فلا تزيده النعم الا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وكلما جدد له نعمه أحدث لها عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وكلما أحدث له قبضا احدث له رضي وكلما أحدث ذنبا أحدث له توبة وانكسارا واعتذارا فهذا هو العبد الكيس والعاجز بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق
فصل من ترك الاختيار والتدبير فى رجاء زيادة او خوف نقصان أو طلب
صحة او فرار من سقم وعلم ان الله على كل شيء قدير وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وانه أعلم بمصلحته من العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه وانصح للعبد منه لنفسه وأرحم منه بنفسه وأبر به منه بنفسه وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا يتأخر فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله اليه وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بكل ما يشاء وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وحمل كله حوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته واحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب ولا اهتمام منه لانه قد صرف اهتمامه كله اليه وجعله وحده همه فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه وفرغ قلبه منها فما أطيب عيشه وما انعم قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبي الا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وما اختاره وولاه ما تولي فحضره الهم والغم والحزن والنكد الخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال فلا قلب

يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحة يفوز بها ولا لذة بينها بها بل بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقره عينه فهو يكدح فى الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منه بأمل ولا يتزود منها لمعاد والله سبحانه أمر العبد بأمر وضمن له ضمانا فان قام بأمره بالنصح والصدق والاخلاص والاجتهاد قام الله سبحانه له بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج فانه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده والنصر لمن توكل عليه واستنصر به والكفاية لمن كان هو همه ومراده والمغفرة لمن استغفره وقضاء الحوائج لمن صدقه فى طلبها ووثق به وقوى رجاؤه وطمعه فى فضله وجوده فالفطن الكيس انما يهتم بأمره وإقامته وتوفيته لا بضمانه فأنه الوفي الصادق ومن أوفى بعهده من الله فمن علامات السعادة صرف اهتمامه الى أمر الله دون ضمانه ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المستعان
قال بشر بن الحارث اهل الآخرة ثلاثة عابد وزاهد وصديق فالعابد يعبد الله مع العلائق والزاهد يعبده على ترك العلائق والصديق يعبده على الرضا والموافقة أن أراه أخذ الدنيا أخذها وان أراه تركها تركها إذا كان الله ورسوله في جانب فاحذر ان تكون في الجانب الآخر فأن ذلك يفضي الى المشاقة والمحادة وهذا أصلها ومنه اشتقاقها فان المشاقة إن يكون فى شق ومن يخالفه في شق والمحادة ان يكون حد وهو فى حد ولا تستسهل هذا فان مبادئه تجر الى غايته وقليله يدعو الى كثيره وكن فى الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله وان كان الناس كلهم فى الجانب الآخر فان لذلك عواقب هى أحمد العواقب وأفضلها وليس للعبد انفع من ذلك فى دنياه قبل آخرته واكثر الخلق انما يكونون من الجانب الآخر ولاسيما اذا قويت الرغبة والرهبة فهناك لا تكاد تجد أحدا فى الجانب الذى فيه الله ورسوله بل يعده الناس ناقص العقل سيء الاختيار لنفسه وربما نسبوه الي الجنون وذلك من مواريث أعداء الرسل فأنهم نسبوهم غلى الجنون لما كانوا في شق

وجانب والناس فى شق وجانب آخر ولكن من وطن نفسه على ذلك فانه يحتاج الى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه والي صبر تام علي معاداة من عاداه ولومه من لامه ولا يتم له ذلك الا برغبة قوية فى الله والدار والآخرة بحيث تكون الآخرة احب اليه من الدنيا وآثر عنده منها ويكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وليس شيء أصعب علي الانسان من ذلك فى مبادىء الأمر فان نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذلك الجانب يدعنه الى العاجل فاذا خالفوهم تصدوا الحربة فان صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا وذلك الألم لذة فان الرب شكور فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه الي الله والى رسوله ويريه كرامة ذلك فيشتد به سروره وغبطته ويبتهج به قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره ويبقى من كان محاربا له على ذلك بين هائب له مسالم له ومساعد وتارك ويقوى جنده ويضعف جند العدو ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز الى الله ورسوله ولو كنت وحدك فان الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك وانما امتحن يقينك وصبرك اعظم الأعوان لك على بعد عون الله هذا بعون اله التجرد من الطمع والفزع فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز الى الله ورسوله وكنت دائما فى الجانب الذى فيه الله ورسوله ومتي قام بك الطمع فلا تطمع فى هذا الأمر ولا تحدث نفسك به فان قلت فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات الاهو ولا يذهب بالسيآت الا هو وأن الأمر كله لله ليس لاحد مع الله شيء نصيحة
هلم الي الدخول على الله ومجاورته فى دار السلام بلا نصيب ولا تعب ولا عناء بل من أقرب الطرق وأسهلها وذلك انك فى وقت بين وقتين وهو فى الحقيقة

عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل فالذى مضي تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق انما هو عمل قلب وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته وانما هو عزم ونية جازمه تريح بدنك وقلبك وسرك فما مضى تصلحه بالتوبة وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية وليس للجوارح فى هذين نصب ولا تعب ولكن الشأن فى عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين فأن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وان حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده فان حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وانفع لها وأعظم تحصيلا لسعادتها وفى هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت فهى والله أيامك الخالية التى تجمع فيها الزاد لمعادك إما إلى الجنة إما الى النار فان اتخذت إليها سبيلا الى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر فى هذه المدة اليسيرة التى لا نسبة لها الى الأبد وان آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب انقضت عنك بسرعة واعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته اشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله
فصل علامة صحة الارادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه
وحزنه على وقت مر فى غير مرضاته وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره

فصل اذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله واذا فرحوا بالدنيا
فافرح أنت بالله واذا انسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله واذا تعرفوا الى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا اليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت الي الله وتودد اليه تنل بذلك غاية العز والرفعة قال بعض الزهاد ما علمت أن أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكرا وصلاة أو قراة أو احسان فقال له رجل اني أكثر البكاء فقال انك ان تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك وان المدل لا يصعد عمله فوق رأسه فقال أوصني فقال دع الدنيا لأهلها كما تركوهم الآخره لأهلها وكن فى الدنيا كالنحلة ان أكلت أكلت طيبا وأن أطعمت أطعمت طيبا وان سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه
فصل الزهد أقسام زهد في الحرام وهو فرض عين وزهد في الشبهات وهو
بحسب مراتب الشبهة فان قويت التحقت بالواجب وان ضعفت كان مستحبا وزهد فى الفضول وزهد فيما لا يعنى من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره وزهد فى الناس وزهد فى النفس بحيث تهون عليه نفسه فى الله وزهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله وفى كل ما شغلك عنه وافضل الزهد إخفاء الزهد وأصعبه الزهد فى الحظوظ والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك مالا ينفع فى الآخرة والورع ترك ما يخشى ضررة في الآخرة والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع

قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث رجل يرائي بعمله مخلوقا مثله ويترك أن يعمله الله ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئا ورجل يرغب فى صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه الى صحبته ومودته
فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله ترك الأمر عند الله أعظم من
ارتكاب النهى لأن آدم نهى عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه وابليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه قلت هذه مسالة عظيمة لها شان وهى أن ترك الأوامر أعظم عند الله من أرتكاب المناهى وذلك من وجوه عديدة أحدها ما ذكره سهل من شأن آدم وعدو الله ابليس الثاني أن ذنب ارتكاب النهى مصدره فى الغالب الشهوة والحاجة وذنب ترك الأمر مصدره فى الغالب الكبر والعزة ولا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ويدخلها من مات علي التوحيد وان زنى وسرق الثالث أن فعل المأمور أحب الى الله من ترك المنهى كما دل على ذلك النصوص كقوله أحب الاعمال الي الله الصلاة على وقتها وقوله ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها فى درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلي يا رسول الله قال ذكر الله وقوله اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة وغير ذلك من النصوص وترك المناهى عمل فانه كف النفس عن الفعل ولهذا علق سبحانه المحبة بفعل الأوامر كقوله ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا والله يحب المحسنين وقوله واقسطوا ان الله يحب المقسطين والله يحب الصابرين وأما فى جانب المناهى فأكثر ما جاء النفي للمحبة وقوله والله لا يحب الفساد وقوله والله لا يحب كل مختال فخور وقوله ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين وقوله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم وقوله ان الله لا يحب من

كان مختالا فخورا ونظائره وأخبر فى موضع آخر أنه يكرهها ويسخطها كقوله كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها وقوله ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله
اذا عرف هذا ففعل ما يحبه سبحانه مقصود بالذات ولهذا يقدر ما يكرهه ويسخطه لافضائه الى ما يحب كما قدر المعاصى والكفر والفسوق لما ترتب علي تقديرها مما يحبه من لوازمها من الجهاد واتخاذ الشهداء وحصول التوبة من العبد والتضرع اليه والاستكانة واظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وحصول المولاة والمعاداة لأجله وغير ذلك من الآثار التى وجودها بسبب تقديره ما يكره أحب اليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها وهو سبحانه لا يقدر ما يحب لافضائه الى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدر ما يكرهه لافضائه الى ما يحبه فعلم أن فعل ما يحبه احب اليه مما يكرهه يوضحه الوجه الرابع أن فعل المأمور مقصود لذاته وترك المنهى مقصود لتكميل فعل المأمور فهو منهى عنه لاجل كونه يخل بفعل المأمور أو يضعفه وينقصه كما نبه سبحانه على ذلك فى النهى عن الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة فالمنهيات قواطع وموانع صادة عن فعل المأمورات أو عن كمالها فالنهى عنها من باب المقصود لغيره والامر بالواجبات من باب المقصود لنفسه يوضحه الوجه الخامس أن فعل المأمورات من باب حفظ قوة الايمان وبقائها وترك المنهيات من باب الحمية عما يشوش قوة الايمان ويخرجها عن الاعتدال وحفظ القوة مقدم على الحمية فان القوة كلما قويت دفعت المواد الفاسدة وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فالحمية مراد لغيرها وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها ولهذا كلما قويت قوة الايمان دفعت المواد الرديئة ومنعت من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها واذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فتأمل هذا الوجه الوجه السادس أن فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيئا من ذلك فانه لو ترك جميع المنهيات ولم

يأت بالايمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئا وكان خالدا فى النار وهذا يتبين بالوجه السابع أن من فعل المأمورات والمنهيات فهو اما ناج مطلقا ان غلبت حسناته سيئاته وإما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على سيئاته فمآله الى النجاة وذلك بفعل المأمور ومن ترك المأمورات والمنهيات فهو هالك غير ناج ولا ينجو إلا بفعل المأمور وهو التوحيد
فان قيل فهو انما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك قيل يكفي فى الهلاك ترك نفس التوحيد المامور به وان لم يأت بضد وجودى من الشرك بل متي خلا قلبه من التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وان لم يعبد معه غيره فاذا انضاف اليه عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهى عنه يوضحه الوجه الثامن ان المدعو الي الايمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرا بمجرد الترك والاعراض بخلاف ما اذا قال أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني ولكن شهوتي وارادتي وطبعى حاكمة على لا تدعني أترك ما نهاني عنه وانا أعلم أنه قد نهاني وكره لى فعل المنهى ولكن لا صبر لى عنه فهذا لا يعد كافرا بذلك ولا حكمه حكم الأول فان هذا مطيع من وجه وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه يوضحه الوجه التاسع ان الطاعة والمعصية انما تتعلق بالأمر أصلا وبالنهى تبعا فالمطيع ممتثل المأمور والعاصي تارك المأمور قال تعالى لا يعصون الله ما أمرهم وقال موسى لأخيه ما منعك اذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمرى وقال عمرو بن العاص عند موته أنا الذى أمرتني فعصيت ولكن لا آله الا أنت وقال الشاعر أمرتك أمرا جازما فعصيتني
والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل ولا تحصل الا بامتثال أوامره واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه ولهذا لو اجتنب المناهى ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعا وكان عاصيا بخلاف ما لو أتي بالمأمورات وارتكب

المناهى فانه وان عد عاصيا مذنبا فانه مطيع بامتثال الأمر عاص بارتكاب النهى بخلاف تارك الامر فانه لا يعد مطيعا باجتناب المنهيات خاصة الوجه العاشر ان امتثال الامر عبودية وتقرب وخدمة وتلك العبادة التى خلق لاجلها الخلق كما قال تعالى وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون فاخبر سبحانه أنه انما خلقهم للعبادة وكذلك انما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها ولم يخلقوا لمجرد الترك فانه أمر عدمى لا كمال فيه من حيث هو عدم بخلاف امتثال المأمور فانه أمر وجودي مطلوب الحصول وهذا يتبين بالوجه الحادي عشر وهو أن المطلوب بالنهى عدم الفعل وهو أمر عدمى والمطلوب بالأمر ايجاد فعل وهو أمر وجودى فمتعلق الامر الايجاد ومتعلق النهى الاعدام أو العدم وهو أمر لا كمال فيه الا اذا تضمن أمرا وجوديا فان العدم من حيث هو عدم لا كمال فيه ولا مصلحة الا اذا تضمن أمرا وجوديا مطلقا وذلك الامر الوجودى مطلوب مأمور به فعادت حقيقة النهى الي الامر وان المطلوب به ما فى ضمن النهى من الامر الوجودى المطلوب به وهذا يتضح بالوجه الثاني عشر وهو ان الناس اختلفوا فى المطلوب بالنهى علي أقوال احدها أن المطلوب به كف النفس عن الفعل وحبسها عنه وهو أمر وجودى قالوا لان التكليف انما يتعلق بالمقدور والعدم المحض غير مقدور وهذا قول الجمهور وقال أبو هاشم وغيره بل المطلوب عدم الفعل ولهذا يحصل المقصود من بقائه على العدم وان لم يخطر بباله الفعل فضلا ان يقصد الكف عنه ولو كان المطلوب الكف لكان عاصيا اذا لم يات به ولان الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يخطر بباله فعله والكف عنه وهذا أحد قولى القاضي ابي بكر ولاجله التزم أن عدم الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب قال والمقصود بالنهى الابقاء على العدم الأصلى وهو مقدور وقالت طائفة المطلوب بالنهى فعل الضد فانه هو المقدور وهو المقصود للناهى فانه انما نهاه عن الفاحشة طلبا

للعفة وهى المأمور بها ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به وعن الكذب طلبا للصدق المامور به وهكذا جميع المنهيات فعند هؤلاء ان حقيقة النهى الطلب لضد لمنهى عنه فعاد الأمر الى ان الطلب انما تعلق بفعل المأمور
والتحقيق ان المطلوب نوعان مطلوب لنفسه وهو المأمور به ومطلوب اعدامه لمضادته المأمور به وهو المنهى عنه لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به فاذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه اليه بل استمر على العدم الأصلي لم يثب على تركه وان خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيار أثيب عل كف نفسه وامتناعه فانه فعل وجودى والثواب انما يقع علي الأمر الوجودي دون العدم المحض وان تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا فهذا وان لم يعاقب عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وارادته الجازمة التى انما تخلف مرادها عجزا وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت الي ما خالفها كقوله تعالى وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله فى كاتم الشهادة فانه آثم قلبه وقوله ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وقوله يوم تبلى السرائر وقوله إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فى النار قالوا هذا القاتل فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه وقوله فى الحديث الآخر ورجل قال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما فى الوزر سواء وقول من قال ان المطلوب بالنهى فعل الضد ليس كذلك فان المقصود عدم الفعل والتلبس بالضدين فان مالا يتم الواجب الا به فهو غير مقصود بالقصد الأول وأن كان المقصود بالقصد الأول المامور الذي نهى عما يمنعه ويضعفه فالمنهى عنه مطلوب اعدامه طلب الوسائل والذرائع والمأمور به مطلوب ايجاده طلب المقاصد والغايات وقول أبي هاشم ان تارك القبائح يحمد وان لم يخطر بباله كف النفس فان أراد

بحمده انه لا يذم فصحيح وان أراد انه يثني عليه بذلك ويحب عليه ويستحق الثواب فغير صحيح فان الناس لا يحمدون المحبوب على ترك الزنا ولا الأخرس على عدم الغيبة والسب وانما يحمدون القادر الممتنع عن قدرة وداع الي الفعل وقول القاضي الابقاء علي العدم الأصلى مقدور فان أراد به كف النفس ومنعها فصحيح وان أراد مجرد العدم فليس كذلك وهذا يتبين بالوجه الثالث عشر وهو أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من طريق اللزوم العقلي لا القصد الطلبى فان الأمر انما مقصود فعل المأمور فاذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودا لغيره وهذا هو الصواب فى مسالة الأمر بالشيء هل هو نهى عن ضده أم لا فهو نهى عنه من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب وكذلك النهى عن الشيء مقصود الناهى بالقصد الأول الانتهاء عن المنهى عنه وكونه مشتغلا بضده جاء من جهة اللزوم العقلى لكن انما نهى عما يضاد ما أمر به كما تقدم فكان المأمور به هو المقصود بالقصد الاول فى الموضعين
وحرف المسألة ان طلب الشيء طلب له بالذات ولما هو من ضرورته باللزوم والنهي عن الشيء طلب لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللزوم والمطلوب فى الموضعين فعل وكف وكلاهما أمر وجودي الوجه الرابع عشر ان الأمر والنهى فى باب الطلب نظير النفي والاثبات فى باب الخبر والمدح والثناء لا يحصلان بالنفى المحض ان لم يتضمن ثبوتا فان النفى كاسمه عدم لا كمال فيه ولا مدح فاذا تضمن ثبوتا صح المدح به كنفى النسيان المستلزم لكمال العلم وبيانه ونفى اللغوب والاعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة ونفى السنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقومية ونفى الولد والصاحبة المستلزم لكمال الغنى والملك والربوبية ونفى الشريك والولى والشفيع بدون الاذن المستلزم لكمال التوحيد والتفرد بالكمال والآلهية والملك ونفى الظلم المتضمن لكمال العدل ونفى ادراك الابصار له المتضمن لعظمته وأنه أجل من أن يدرك وان رأته

الأبصار والا فليس فى كونه لا يرى مدح بوجه من الوجوه فان العدم المحض كذلك
واذا عرف هذا فالمنهى عنه ان لم يتضمن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بتركه ولم يستحق الثواب والثناء بمجرد الترك الايستحق المدح والثناء بمجرد الوصف العدمى الوجه الخامس عشر ان الله سبحانه جعل جزاء المامورات عشرة أمثال نعلها وجزاء المنهيات مثل واحد وهذا يدل على أن فعل ما أمر به احب اليه من ترك ما نهى عنه ولو كان الأمر بالعكس لكانت السيئة بعشرة والحسنة بواحدة او تساويا الوجه السادس عشر ان المنهى عنه المقصود اعدامه وأن لا يدخل في الوجود سواء نوى ذلك أو لم ينوه وسواء خطر بباله أو لم يخطر فالمقصود أن لا يكون وأما المأمور به فالمقصود كونه ايجاد والتقرب به نية وفعلا
وسر المسألة أن وجود ما طلب ايجاده أحب اليه من عدم ما طلب اعدامه وعدم ما أحبه أكره اليه من وجود ما يبغضه فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته لفعل ما نهى عنه يوضحه الوجه السابع عشر ان فعل ما يحبه والاعانة عليه وجزاؤه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته وفعل مايكره وجزاؤهما يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه ورحمته سابقة على غضبه غالبة له وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فانه سبحانه لا يكون إلا رحيما ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك وليس كذلك غضبه فانه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضبانا دائما غضبا لا يتصور انفكاكه بل يقول رسله وأعلم الخلق به يوم القيامة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء وهو سبحانه كتب علي نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء غضبا وانتقاما فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب

وما كان منه وآثاره فوجود ما كان بالرحمة أحب اليه من وجود ما كان من لوازم الغضب ولهذا كانت الرحمة احب اليه من العذاب والعفو أحب اليه من الانتقام فوجود محبوبه أحب اليه من فوات مكروهه ولا سيما اذا كان فى فوات مكروهه فوات ما يحبه من لوازمه فانه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكره وجود ذلك الملزوم المكروه الوجه الثامن عشر ان أثار ما يكرهه وهو المنهيات أسرع زوالا بما يحبه من زوال آثار ما يحبه بما يكرهه فآثار كراهته سريعة الزوال وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز وتزول لتوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب الكفرة والشفاعة والحسنات يذهبن والسيئات ولو بلغت ذنوب العبد عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وهو سبحانه يغفر الذنوب وان تعاظمت ولا يبالى فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعى من العبد وتوبة نصوح وندم علي ما فعل وما ذاك الا لوجود ما يحبه من توبة العبد وطاعته وتوحيده فدل علي أن وجود ذلك أحب اليه وأرضي له يوضحه الوجه التاسع عشر وهو انه سبحانه قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من المأمورات فأنه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الفاقد الواجد والعقيم الوالد والظمآن الوارد وقد ضرب رسول الله لفرحه بتوبة العبد مثلا ليس فى المفروح به أبلغ منه وهذا الفرح إنما كان بفعل المأمور به وهو التوبة فقدر الذنب لما يترتب عليه من هذا الفرح العظيم الذى وجوده أحب اليه من فواته ووجوده بدون لازمه ممتنع فدل على أن وجود ما يحب أحب اليه من فوات ما يكره وليس المراد بذلك أن كل فرد من أفراد ما يحب أحب اليه من فوات كل فرد مما يكره حتى تكون ركعتا الضحى أحب اليه من فوات قتل المسلم وانما المراد أن جنس فعل المأمورات افضل من جنس ترك المحظورات كما اذا فضل الذكر علي الأنثى والانسى على الملك فالمراد الجنس لا عموم الأعيان

والمقصود أن هذا الفرح الذى لا فرح يشبهه فعل مأمور التوبة يدل على أن هذا المأمور أحب اليه من فوات المحظور الذى تفوت به التوبة وأثرها ومقتضاها فان قيل انما فرح بالتوبة لانها ترك للمنهى فكان الفرح بالترك قيل ليس كذلك فان الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح وليست التوبة تركا وان كان الترك من لوازمها وانما هى فعل وجودى يتضمن اقبال التائب على ربه وإنابته اليه والتزام طاعته ومن لوازم ذلك ترك ما نهى عنه ولهذا قال تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا اليه فالتوبة رجوع مما يكره الى ما يحب وليست مجرد الترك فان من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه الى ما يحبه الرب تعالى لم يكن تائبا فالتوبة رجوع واقبال وانابة لا ترك محض الوجه العشرون ان المأمور به اذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد وهى التي قال تعالى فيها
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم وقال أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس كمن مثله فى الظلمات وقال فى حق الكفار أموات غير أحياء وقال انك لا تسمع الموتى وأما المنهى عنه فغايته أن يوجد المرض وحياة مع السقم خير من موت فان قيل ومن المنهى عنه ما يوجب الهلاك وهو الشرك قيل الهلك انما حصل بعدم التوحيد المأمور به الحياة فلما فقد حصل الهلاك فما هلك إلا من عدم اتيانه بالمأمور به وهو وهذا وجه حاد وعشرون فى المسألة وهو أن فى المأمورات ما يجب فواته الهلاك والشقاء الدائم وليس فى المنهيات ما يقتضي ذلك الوجه الثاني والعشرون ان فعل المأمور يتضى ترك المنهى عنه اذا فعل علي وجهه من الاخلاص والمتابعة والنصح لله فيه قال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ومجرد ترك المنهى لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه الوجه الثالث والعشرون ان ما يحبه من المأمورات فهو متعلق بصفاته وما يكرهه من المنهيات فمتعلق بمفعولاته وهذا وجه دقيق يحتاج الى بيان فنقول

المنهيات شرور وتفضي الي شرور والمأمورات خير وتفضي الي الخيرات والخير بيديه سبحانه والشر ليس اليه فان الشر لا يدخل فى صفاته ولا فى أفعاله ولا فى أسمائه وانما هو من المفعولات مع أنه شر بالاضافة والنسبة الي العبد والا من حيث إضافته ونسبته الي الخالق سبحانه فليس بشر من هذه الجهة فغاية ارتكاب النهى ان يوجب شرا بالاضافة الي العبد مع انه فى نفسه ليس بشر وأما فوات المأمور فيفوت به والخير الذى بفواته يحصل ضده من الشر وكلما كان المأمور أحب الى الله سبحانه كان الشر الحاصل بفواته أعظم كالتوحيد والايمان وسر هذه الوجوه أن المأمور محبوبه والمنهى مكروهه ووقوع محبوبه أحب اليه من فوات مكروهه وفوات محبوبه أكره اليه من وقوع مكروهه والله أعلم
فصل مبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر قال تعالى
فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون وقال النبي لمعاذ والله اني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وليس المراد بالذكر مجرد الذكر اللسان بل الذكر القلبى واللسانى وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه وذلك يستلزم معرفته والايمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا يتم الا بتوحيده فذكره الحقيقى يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه الي خلقه
وأما الشكر فهو القيام بطاعته والتقرب اليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا وهذان الأمران هما جماع الدين فذكره مستلزم لمعرفته وشكره متضمن لطاعته وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والانس والسموات والارض ووضع لاجلها الثواب والعقاب وأنزل الكتب وارسل الرسل وهى الحق الذي به خلقت

السماوات والأرض وما بينهما وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه وهو ظن أعدائه به قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وان الساعة لآتية وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقال أيحسب الإنسان إن يترك سدى وقال أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون وقال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر أن يذكر وأن يشكر يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره فذكره سبب لذكره وشكره سبب لزيادته من فضله فالذكر للقلب واللسان والشكر للقلب محبة وإنابة وللسان ثناد وحمد وللجوارح طاعة وخدمة
فصل تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية
والإضلال فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه والمؤثر لأثره وكذلك الضلال فأعمال البر تثمر الهدى وكلما ازداد منها ازداد هدى وأعمال الفجور بالضد وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازى عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء وأيضا فانه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر

ويبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور فمن الأصل الأول قوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وهذا يتضمن أمرين أحدهما انه يهدي به من اتقى ما خطه قبل نزول الكتاب فان الناس على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه يكره الظلم والفواحش والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك ويحب العدل والإحسان والجود والصدق والإصلاح في الأرض ويحب فاعل ذلك فلما نزل الكتاب أثاب سبحانه أهل البر بأن وفقهم للإيمان به جزاء لهم على برهم وطاعتهم وخذل أهل الفجور والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به والأمر الثاني أن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره كان ذلك سببا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فان الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى وكلما فوت خطا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه فكلما اتقى زاد هداه وكلما اهتدى زادت تقواه قال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وقال سيذكر من يخشى وقال وما يتذكر إلا من ينيب وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم فهداهم أولا للإيمان فلما آمنوا هداهم للإيمان هداية بعد هداية ونظير هذا قوله ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ومن الفرقان ما يعطيهم من لنور الذي يفرقون به بين الحق والباطل والنصر والعز الذي يتمكنون به من إقامة الحق وكسر الباطل فسر الفرقان بهذا وبهذا وقال تعالى إن في ذلك لآية لكل عبد منيب وقال

إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور في سورة لقمان وسورة إبراهيم وسبأ والشورى فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه وأنها يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال طه أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى وقال في لساعة إنما أنت منذر من يخشاها وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية ولهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي قال بعد ذلك إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة فأخبر أن عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه اذا سمع ذلك قال لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوة وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية وإنما كان الصبر والشكر سببا لانتفاع صاحبهما بالآيات ينبني على الصبر والشكر فنصفه صبر ونصفه شكر فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى فإذا كان مشركا متبعا هواه لم يكن صابرا ولا شكورا فلا تكون الآيات نافعة له ولا مؤثرة فيه إيمانا
فصل وأما الأصل الثاني وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير
أيضا في القرآن كقوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا

الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون وقال تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وقال تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا وقال تعالى وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون وقال تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه فأمرهم بالأستجابة له ولرسوله حين يدعوهم الى ما فيه حياتهم ثم حذرهم من التخلف والتأخر عن الأستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم قال تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فأخبر سبحانه أن كسبهم غطى على قلوبهم وحال بينها وبين الايمان بآياته فقالوا أساطير الأولين وقال تعالى في المنافقين نسوا الله فنسيهم فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة وأخبر أنه أنساهم أنفسهم فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق فأنساهم طلب ذلك ومحبته ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له وقال تعالى في حقهم أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما جمع للمهتدين بين التقوى والهدى

فصل وكما يقره سبحانه بين الهدى والتقى والضلال والغي فكذلك يقرن بين
الهدى والرحمة والضلال والشقاء فمن الأول قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وقال عن المؤمنين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وقال أهل الكهف ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا وقال لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال ما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي أختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون وقال أنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ثم أعاد سبحانه ذكرهما فقال قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة والصحيح أنهما الهدى والنعمة ففضله هداه ورحمته نعمته ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة كقوله في سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ومن ذلك قوله لنبيه يذكره بنعمه عليه ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فجمع له بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه ومن ذلك قول نوح يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده وقول شعيب أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وقال عن الخضر فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وقال لرسوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا لغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك

الله نصرا عزيزا وقال وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم أحد أبدا ففضله هدايته ورحمته وإنعامه وإحسانه إليهم وبره بهم وقال فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والهدى منعه من الضلال والرحمة منعه من الشقاء وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفى الشقاء عنه كما قال في آخرها في حق اتباعه فلا يضل ولا يشقى فالهدى والفضل والنعمة ولرحمة متلازمات لا ينفك بعضها عن بعض كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر قال تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر والسعر جمع سعير وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وقال تعالى عنهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير
ومن هذا انه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل له صدره ضيقا حرجا وقال أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكذلك يجمع بين الهدى والإنابة وبين الضلال وقسوة القلب قال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وقال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين
فصل والهدى والرحمة وتوابعها من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء
والإضلال

والعذاب وتوابعها من صفة المنع وهو سبحانه يصرف خلقه بين عطائه ومنعه وذلك كله صادر عن حكمة بالغة وملك تام وحمد تام فلا إله إلا الله
فصل إذا رأيت النفوس المبطله الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشان قد
تشبثت بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها إليه فأنه اللائق بها لفساد تركيبها ولا تنقش عليها ذلك فانه سريع الانحلال عنها ويبقى تشبثها به مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلق فتبقى شهوتها وإرادتها فيها وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها فلو تصور العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر إلى قطع هذا التعلق كما يبادر إلى حسم مواد الفساد ومع هذا فانه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه متعلق بالمطلب الأعلى والله المستعان
فصل إياك والكذب فانه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه ويفسد
عليك تصورها وتعليمها للناس فان الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود معدوما والحق باطلا والباطل حقا والخير شرا والشر خيرا فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد عليه تصوره وعلمه ونفس الكاذب معرضه عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم مؤثرة للباطل وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل فعل إرادي فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها فصار صدورها عنه كصدور الكذب عن اللسان فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما قال النبي إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده ثم يسري إلى الجوارح

فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله فيعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم تدركه الله بدواء الصدق يقلع تلك من أصلها ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤة الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم وقال فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم وقال وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم
فصل في قوله تعالى
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون
في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فان العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب فان الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا منها أنه لا انفع له من امتثال الأمر وان شق عليه في الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وان كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من

ارتكاب النهى وان هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل فنظر الجاهل لا يجاوز المباديء إلى غاياتها والعاقل الكيس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل فكلما دعنه لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفض إلى العافية والشفاء وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤول اعند الغاية فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك وإذا قوى يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة
ومن أسرار هذه الآية إنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة ومنها أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل مضرته وهلاكه فيه وهولا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك ومنها انه إذا فوض إلى ربه ورضى بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه ومنها أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منه في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضى باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه لأنه مع اختياره لنفسه ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في

المقدور العطف عليه اللطف به فيصير بين عطفه ولطفه فعطفه يقيه ما يحذره ولطفه يهون عليه ما قدره إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة فان السبع لا يرضى بأكل الجيف
فصل لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها
عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي وتيقن أنه لله وبالله ومن الله فهو الإيمان به ابتداء وإدامة لا سبب من العبد ولا استحقاق منه فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرا البتة وان الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له النعم ذلا وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وهذا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره وغناه وجوده وإحسانه ورحمته وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتى منه من يشاء ويمنع منه من يشاء وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وأنها لا خير فيها ألبته ولا لها ولا بها ولا منها وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها ولا بها فإذا صار هذان العلمان صيغة لها لا صيغة على لسانها علمت حينئذ إن الحمد كله لله والأمر كله له والخير كله في يديه وانه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها وأنها هي أولى بالذم والعيب واللوم ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله

وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له إلى الله فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا وانقطاعه بفواتهما وهذا معنى قولهم من عرف نفسه عرف ربه فانه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف ربه بضد ذلك فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده وكان أحب شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له وهذا هو حقيقة العبودية والله المستعان
ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته أنه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها فمن كان كذلك فليدخل وإلا فليرجع حتى يكون بهذه الصفة
فصل الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها أما
أن توجب ألما وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة وأما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه وأما أن تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة وأما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك وأما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة وأما أن تشمت عدوا وتحزن وليا وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وأما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول فان الأعمال تورث الصفات والأخلاق
فصل للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا ومتى قصرت عنه كان نقصا ومهانة

فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص وهذا كماله فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل وللحرص حد وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها فمتى نقص من ذلك كان مهانة وإضاعة ومتى زاد عليه كان شرها ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيرة فمتى تعدى ذلك صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس قال النبي لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود وللشهوة حد وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة وللراحة حد وهو اجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا وإضاعة وفات به اكثر مصالح العبد ومتى نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى والجود له حد بين طرفين فمتى جاوز حده صار إسرافا وتبذيرا أو متى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا وللشجاعة حد متي جاوزته صارت تهورا ومتي نقصت عنه صارت جبنا وخورا وحدها الأقدام في مواضع الأقدام والأحجام في مواضع الأحجام كما قال معاوية لعمرو بن العاص أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس وتجبن حتى أقول من أجبن الناس فقال

شجاع إذا ما امكنتني فرصة ... فان لم تكن لي فرصة فجبان
والغيرة لها حد إذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبريء وإن قصرت عنه كانت تغافلا ومبادىء دياثة وللتوضع حد إذا جاوزه كان ذلا ومهانة ومن قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر وللعز حد إذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما وإن قصر عنه انحرف إلى الذل و المهانة
وضابط هذا كله العدل وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به فانه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا فمن أشرف العلوم وانفعها علم الحدود ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهى فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها مه هو داخل فيها قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا وبالله التوفيق
فصل قال أبو الدرداء رضي الله عنه يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف
يغبنون به قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين وهذا من جواهر الكلام وأدلة على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضى الله عنهم
فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته ولا ببدنه والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله

فانها من تقوى القلوب وقال لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقال النبي التقوى ههنا وأشار إلى صدره فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق فان العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان
فاكمل الهدى هدى رسول الله وكان موفيا كل واحد منهما حقه فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ويصوم حتى يقال لا يفطر ويجاهد في سبيل الله ويخالط أصحاب ولا يحتجب عنهم ولا يترك شيئا من النوافل والاوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر والله تعالى أمر عباده إن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا يقبل واحدا منهما إلا بصاحبه وقرينه وفي المسند مرفوعا الإسلام علانية والإيمان في القلب فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار
وإذا عرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان قسم صرفوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها وأن لم يكونوا خالين من أصلها ولكن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال وقسم صرفوا

ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عليه وحفظ الخواطر والإرادات معه وجعلوه قوة تعبده بأعمال القلوب من تصحيح المحبة والخوف والخوف والرجاء والتوكل والإنابة ورأوا أن أيسر نصيب من الواردات التي ترد على قلوبهم من الله أحب إليهم من كثير من التطوعات البدنية فإذا حصل لأحدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل لم يستبدل به شيئا سواه البتة إلا أن يجيء الأمر فيبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه وإلا بادر إلى الأمر ولو ذهب الوارد فإذا جاءت النوافل فههنا معترك التردد فإن أمكن القيام إليها به فذاك فذلك به وإلا نظر في الأرجح والأحب إلى الله هل هو القيام إلى تلك النافلة ولو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونحو ذلك فههنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة ومتى قدمهما لله رغبة فيه وتقربا إليه فإنه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان في وقت آخر وإن كان الوارد أرجح من النافلة فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه فإنه يفوت والنافلة لا تفوت وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهم منها فالأهم والله الموفق لذلك لا إله غيره ولا رب سواه
فصل أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة وأصل الأخلاق
المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد والبغي والخيلاء والظلم والقسوة والتجبر والأعراض وإباء قبول النصيحة والاستئثار وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بما لم يفعل وأمثال ذلك كلها ناشئة من الكبر وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الذي هو

أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك فأنها من المهانة والدناءة وصغر النفس وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم والعفو والصفح والاحتمال والإيثار وعزة النفس عن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس وترك الانشغال بما لا يعنيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة ثم ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتأخذ زينتها وبهجتها فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق وأما النار فطبعها العلو والإفساد ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله وكذلك المخلوق منها فهي دائما بين العلو إذا هاجت واضطربت وبين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت والأخلاق المذمومة تابعة للنار والخلوق منها والأخلاق الفاضلة تابعة للأرض والمخلوق منها فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل
فصل المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة فمن فقدهما
تعذر عليه الوصول إليه فان الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات ولم تتعلق بالمطلب الأعلى وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقة غير موصلة إليه فمدار الشان على همة العبد ونيته وهما مطلوبه ولا يتم له إلا بترك ثلاثة أشياء العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس الثاني هجر العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقة

وقطعها الثالث قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب والفرق بنيها أن العوائق هي الحوادث الخارجية والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونحوها وأصل ذلك ترك الفضول التي تشغل عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة فيأخذ من ذلك ما يعينه على طلبه ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يضعف طلبه والله المستعان
فصل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رجل عنده
ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أحب أن أكون من المقربين فقال عبد الله لكن ههنا رجل ود وأنه مات لم يبعث يعني نفسه وخرج ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم ألكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال ارجعوا فإنه ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع وقال لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي لحثوتم على رأسي التراب وقال حبذا المكروهان الموت والفقر وأيم الله إن هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بأيهما بليت أرجو الله في كل واحد منهما إن كان الغنى إن فيه للعطف وأن كان الفقر أن فيه للصبر وقال أنكم في ممر الليل والنهار في آجل منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطىء بحظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له من أعطى خيرا فالله أعطاه ومن وقى شرا فالله وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة إنما هما اثنتان الهدى والكلام فأفضل الكلام كلام الله وأفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت قريب الأوان البعيد ما ليس آتيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه وأن السعيد من وعظ

بغيره إلا وان قتال المسلم كفر وسبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض ألا وأن شر الروايا روايا الكذب ألا وأن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه ألا وأن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار والصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وأنه يقال للصادق صدق وبر ويقال للكاذب كذب وفجر وأن محمدا حدثنا أن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا إن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقى وخير الملة ملة إبراهيم وأحسن السنن سنة محمد وخير الهدى هدى الأنبياء وأشرف الحديث ذكر الله وخير القصص القرآن وخير الأمور عواقبها وشر الأمور محدثاتها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة ندامة يوم القيامة وشر الضلالة الضلالة بعد الهوى وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى وخير ما ألقى في القلب اليقين والريب من الكفر وشر العمى عمى القلب والخمر جماع الأثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون والنوح من عمل الجاهلية ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا هجرا وأعظم الخطايا الكذب ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يغفر يغفر الله له ومن يصبر على الرزية يعقبه الله وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل مال اليتيم وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه وإنما يصير إلى أربعة أذرع والأمر إلى آخره وملاك العمل خواتمه وأشرف الموت قتل الشهداء ومن يستكبر يضعه الله ومن يعص الله يطع الشيطان ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس

يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا ولا ينبغي لحامل القرآن ان يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا من تطاول تعظما حطه الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وأن للملك لمة وللشيطان لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق فإذا رأيتهم ذلك فتعوذوا بالله أن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبخ نفسه لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار إني لا بغض الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ومن لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها من الله بعدا من اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا تحمد أحدا على رزق الله ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله فأن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره وان الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل لهم والحزن في الشك والسخط ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له أني لا حسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض إن للقلوب شهوة وأدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند فتفرقها وأدبارها ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية أنكم ترون الكافر من أصح الناس جسما وأمرضه قلبا وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا وأمرضه جسما وأيم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف وحتى يكون حامده وذامه وعنده سواه وان الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه منه شيء يأتي الرجل ولا

يملك له ولا نفسه ضرا ولا نفعا فيقسم له بالله أنك لذيت وذويت فيرجع وما حبى من حاجته بشيء ويسخط الله عليه لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا الأثم حواز القلوب ما كان من نظر فإن للشيطان فيها مطمعا مع كل فرحة ترحة وما ملىء بيت حبرة الاملئ عبرة وما منكم إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها يكون في آخر الزمان أقوم أفضل أعمالهم التلاوم بينهم يسمون الأنتان إذا احب الرجل أن ينصف من نفسه فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبي رب شهوة تورث حزنا طويلا ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل مع كنزه لا يقلدون أحدكم دينه رجلا فأن آمن آمن وإن كفر كفر وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة لا يكن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة قال يقول أنا مع الناس ان اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت ألا ليوطن أحدكم نفسه على أنه ان كفر الناس لا يكفر وقال له رجل علمني كلمات جوامع نوافع فقال أعبد الله لا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وان كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وان كان حبيبا قريبا يؤتي بالعبد يوم القيامة فيقال له أد أمانتك فيقول يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا فتمثل على هيئتها يوم أخذها في قعر جهنم فيزل فيأخدها فيضعها على عاتقه فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بنها هوت وهوي في أثرها أبد الآبدين اطلب قلبك في ثلاثة مواطن عند سماع القرآن وفي مجالس الذكر وفي أوقات الخلوة فان لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن

يمن عليك بقلب فانه لا قلب لك قال الجنيد دخلت على شاب فسألني عن التوبة فأجبته فسألني عن حقيقتها فقلت أن تنصب ذنبك بين عينيك حتى يأتيك الموت فقال لي مه ما هذا حقيقة التوبة فقلت له فما حقيقة التوبة عندك يا فتى قال أن تنسى ذنبك وتركني ومضي فكيف هو عندك يا أبا قاسم فقلت القول ما قال الفتى قال كيف قلت إذا كنت معه في حال ثم نقلني من حال الجفا إلى حال الوفا فذكرني للجفا في حال الوفا جفا
فصل لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند
الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فاقبل على الطمع أولا فأذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص فأن قلت وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح قلت أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينا أنه ليس من شيء يطمع فيه الا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد منها شيئا سواه وأما ازهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين الا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي ان مدحي زين وذمي شين فقال ذلك الله عز و جل فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشنيك ذم وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه ولن يقدر على ذلك الا بالصبر واليقين فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب قال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون وقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون

فصل لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسا
وأعلاهم همة وأرفعهم قدرا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال فلو عرضت عليه ما يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألمت من ذلك كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ونفرت نفسه منه وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار والآخرة ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه فهذا ممن قال تعالى فيه قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة وأبخسهم حظا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي إذن لهم فيه فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة وسواء إذن لهم فيه أم لا فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت لهم فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلا له إلى لذة الآخر بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى وان كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في

لذة الآخرة ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك فطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة وكانت همه لما هناك وبئس القاطع لمن كانت هي مقصودة وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعا وإلا خسرهما جميعا سبحان الله رب العالمين لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الذي جعله الله قواما لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق وجوار القول بينهم وصلاح المعاش وراحة البدن وقوة القلب وطيب النفس ونعيم القلب وانشراح الصدر والأمن من مخاوف الفساق والفجار وقلة الهم والغم والحزن وعز النفس عن احتمال الذل وصون نور القلب إن تطفئه ظلمة المعصية وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي وتسهيل الطاعات عليه وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له والحلاوة التي يكتسبها وجهه المهابة التي تلقي له في قلوب الناس وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسرعة إجابة دعائه وزوال الوحشة التي بينه وبين الله وقرب الملائكة منه وبعد شياطين الإنس والجن منه وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته وصحبته وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه وصغر الدنيا في قلبه وكبر الآخرة عنده وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له وفرح الكاتبين به ودعائهم له كل وقت والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتويته وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه

فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا فإذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة وبأنه لا خوف عليه ولا حزن وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضه من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو فضل عظيم
فصل ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز انه كان
إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه وإذا كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه ويقول اللهم أني أعوذ بك من شر نفسي أعلم أن العبد إذا شرع في قول أو عمل يبتغي فيه مرضاة الله مطالعا فيه منة الله عليه به وتوفيقه له فيه وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته بل هو بالذي أنشأ له اللسان والقلب والعين والأذن فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول الفعل فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية نفسه وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه وإعانته فإذا غاب عن تلك الملاحظة وثبت النفس وقامت في مقام الدعوى فوقع العجب ففسد عليه القول والعمل فتارة يحال بينه وبين تمامه ويقطع عليه ويكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة والتوفيق وتارة يتم له ولكن لا يكون له ثمرة وإن أثمر أثمر ثمرة ضعيفة غير محصلة للمقصود وتارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه ويتولد له منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤية نفسه وإن القول والفعل به
ومن هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده وأعماله ويعظم له ثمرتها أو يفسدها عليه ويمنعه ثمرتها فلا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس فإذا أراد الله

بعده خيرا أشهده منته وتوفيقه وإعانته له في كل ما يقوله ويفعله فلا يعجب به ثم اشهده تقصيره فيه وأنه لا يرضى لربه به فيتوب إليه منه ويستغفره ويستحي أن يطلب عليه أجرا وإذا لم يشهده ذلك وغيبه عنه فرأى نفسه في العمل ورآه بعين الكمال والرضا لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرضا والمحبة فالعارف يعمل العمل لوجه مشاهدا فيه منته وفضله وتوفيقه معتذرا منه إليه مستحييا منه إذ لم يوفه حقه والجاهل يعمل العمل لحظه وهواه ناظرا فيه إلى نفسه يمن به على ربه راضيا بعمله فهذا لون وذاك لون آخر
فصل الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العوائق فالعوائد
السكون إلى الدعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع بل هي عندهم أعظم من الشرع فانهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع وربما كفروه أو بدعوه وضللوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم وأماتوا لها السنن ونصبوها أندادا للرسول يوالون عليها ويعادون فالمعروف عندهم ما وافقهم والمنكر ما خالفها
وهذه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الملوك والولاة والفقهاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربى فيها الصغير ونشأ عليها الكبير واتخذت سننا بل هي أعظم عند أصحابها من السنن الواقف معها محبوس والمتقيد بها منقطع عم بها المصاب وهجر لأجلها السنة والكتاب من استنصر بها فهو عند الله مخذول ومن اقتدى بها دون كتاب الله وسنة رسوله فهو عند الله غير مقبول وهذه أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله

فصل وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق
القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقة وهي ثلاثة أمور شرك وبدعة ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة وعائق المعصية بتصحيح التوبة وهذه العوائق لا تتبين للعبد يأخذ في أهبة السفر ويتحقق بالسير إلى الله والدار والآخرة فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحسن بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدا لا يظهر له كوامنها وقواطعها
فصل وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من
ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره وكذا بالعكس والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه وذلك على قدر معرفته به وشرفه وفضله على ما سواه
فصل لما كمل الرسول مقام الافتقار إلى الله سبحانه أحوج الخلائق
كلهم إليه في الدنيا والآخرة أما حاجتهم إليه في الدنيا فأشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتأخر عن الشفاعة فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة

فصل من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في
تواضعه ورحمته وكلما زيد في خوفه وحذره وكلما زيد في عمره نقص من حرصه وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم
وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه وكلما زيد في عمره زيد قي حرصه وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشفى بها أقوام وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان والمال قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب قال تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكراما مني له ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابتليته يكون ذلك إهانة مني له
فصل من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به
فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه وإذا تهدم شيء من

البنيان سهل تداركه وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط قال تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من الآفات وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن وكانت الآفات إليه أسرع شيء
فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس وهذا الأساس أمران صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلى البناء ما شاء فأحكم الأساس واحفظ القوة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط والقصد القصد وقد بلغت المراد وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ معدوما
فاقر السلام على الحياة فإنها ... قد آذنتك بسرعة التوديع
فإذا كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس ثم حظه بسور من الحذر لا يقتحمه عدو ولا تبدو منه العورة ثم أرخ الستور على أبوابه ثم اقفل الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته ثم ركب له مفتاحا من ذكر الله به تفتحه وتغلقه فإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته به فتكون حينئذ قد بنيت حصنا تحصنت فيه من أعدائك إذا طاف به العدو لم يجد منه مدخلا فييأس منك ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب فإن أهملت أمره وصل إليك النقب فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه وتكون معه على

ثلاث خلال إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه وإما أن يساكنك فيه وإما أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث الحصن وإذا دخل نقبه إليك نالك منه ثلاث آفات إفساد الحصن والإغارة على حواصله وذخائره ودلالة السراق من بني جنسه على عورته فلا يزال يبلي منه بغارة حتى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عن الحصن ويخلي بينهم وبينه
وهذه حال أكثر النفوس مع هذا العدو ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم بل برضا مخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدين بكسب الأموال ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ويتكلون على الحياة ولا يذكرون الموت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إليهم ويهتمون بما ضمنه الله ولا يهتمون بما أمرهم به ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ويفسدون حقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم ومن العجب أن هذا العدو يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه
فصل أركان الكفر أربعة الكبر والحسد والغضب والشهوة فالكبر يمنعه
الانقياد والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها والغضب يمنعه العدل والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة وزوال الجبال عن أماكنها

أيسر من زوال هذه الأربعة عمن بلى بها ولا سيما إذا صارت هيئات راسخه وملكات وصفات ثابتة فإنه لا يستقيم له معها عمل البتة ولا تزكو نفسه مع قيامها بها وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة وكل الآفات متولدة منها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل والمعروف في صورة المنكر والمنكر في صورة المعروف وقربت منه الدنيا وبعدت منه الآخرة وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها وعليها يقع العذاب وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه
ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدا على ما أتاه الله فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله وأحب زوالها عنه والله يكره ذلك فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا به وعنه والإنابة إليه وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضي له فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها وكذا بالعكس
وأما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إياها ومنعها منها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها فكلما فتحت عليها باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها إياها وكلما أغلقت عنها ذلك الباب كنت ساعيا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه

فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحبه بدأ بأكله والشهوة مثل النار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك طردك عنه والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله
فصل عظيم النفع
الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون ونحن نذكر من ذلك أمثلة تحتذي عليها فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة وان طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها ظاهره وباطنه وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ويروون في ذلك آثار صحيحة لم يفهموها وباطلة لم يقلها المعصوم ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد ويتلون على ذلك قوله تعالى لا يسأل عما يفعل وقوله أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويقيمون إبليس حجة لهم على هذه المعرفة وأنه كان طاووس الملائكة وأنه لم يترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة لكن جنى عليه جاني القدر وسطا عليه الحكم فقلب عينه الطيبة وجعلها أخبث شيء حتى قال بعض عارفيهم إنك ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسد الذي يثب عليك بغير جرم منك ولا ذنب أتيته إليه ويحتجون بقول النبي إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ويروون عن بعض السلف أكبر الكبائر لا الله من مكر الله والقنوط من رحمة

وذكر الإمام أحمد عن عون بن عبد الله أو غيره أنه سمع رجلا يدعو الهم لا تؤمني مكرك فأنكر ذلك وقال قل اللهم لا تجعلني ممن يأمن مكرك وبنوا ذلك على أصلهم الباطل وهو إنكار الحكمة والتعليل والأسباب وأن الله لا يفعل لحكمة ولا سبب وإنما يفعل بمشيئة مجردة من الحكم والتعليل والسبب فلا يفعل لشيء ولا بشيء وأنه لا يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته أشد العذاب وينعم أعداءه وأهل معصيته بجزيل الثواب وأن الأمرين بالنسبة إليه سواء ولا يعلم امتناع ذلك إلا بخبر من الصادق أنه لا يفعله فحينئذ يعلم امتناعه لوقوع الخبر بأنه لا يكون لا لأنه في نفسه باطل وظلم فإن الظلم في نفسه مستحيل فإنه غير ممكن بل هو بمنزلة جعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد والجمع بين الليل والنهار في ساعة واحدة وجعل الشيء موجودا ومعدوما معا في آن واحد فهذا حقيقة الظلم عندهم فإذا رجع العامل إلى نفسه قال من لا يستقر له أمر ولا يؤمن له مكر كيف يوثق بالتقرب إليه وكيف يعول على طاعنه واتباع أوامره وليس لنا سوى هذه المدة اليسيرة فإذا هجرنا فيها اللذات وتركنا الشهوات وتكلفتا أثقال العبادات وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن يقلب علينا الإيمان كفرا والتوحيد شركا والطاعة معصية والبر فجورا ويديم علينا العقوبات كنا خاسرين في الدنيا والآخرة فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمر في نفوسهم صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام لك حجة وعاقبك وإن كسلت وبطلت وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك فيودع بهذا القول قلب الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة ولا وعده على الإحسان وان كبر الصبي وصلح للمعاملات والمناصب قال له هذا سلطان بلدنا يأخذ اللص من الحبس فيجعله وزيرا أميرا ويأخذ الكيس المحسن لشغله فيخلده الحبس ويقتله ويصلبه فإذا قال له ذلك أو حشه سلطانه وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده وأزال محبته من قلبه وجعله يخافه مخافة الظالم الذي يأخذ المحسن بالعقوبة

والبريء بالعذاب فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عبادة أكثر من هذا ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين ولعمر الله العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شهادة بضد ذلك ولا سيما القرآن فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه فالله سبحانه أخبر وهو الصادق الوفي أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن ليده ظلما ولا هضما ولا يخاف بخسا ولا رهقا ولا يضيع عمل محسن أبدا ولا يضيع على العبد مثقال ذرة لا يظلمها وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يضيعها عليه وأنه يجزي بالسيئة مثلها ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وهو الذي أصلح الفاسدين وأقبل بقلوب المعرضين وتاب على المذنبين وهدى الضالين وأنقذ الهالكين وعلم الجاهلين وبصر المتحيزين وذكر الغافلين وآوى الشاردين وإذا أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إلى إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة حتى إذا يأس من استجابته والإقرار بربوبيته ووحدانيته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده بحيث يعذر العبد من نفسه ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه كما قال تعالى عن أهل النار فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وقال عمن أهلكهم في الدنيا أنهم لما رأوا آياته وأحسوا حصيدا بعذابه قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين وقال أصحاب الجنة التي أفسدها عليهم لما رأوها

قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين قال الحسن لقد دخلوا النار وأن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلا ولهذا قال تعالى نقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فهذه الجملة في موضع الحال أي قطع دابرهم حال كونه سبحانه محمودا على ذلك فقطع دابرهم قطعا مصاحبا لحمده فهو قطع وإهلاك يحمد عليه الرب تعالى لكما حكمته وعدله ووضعه العقوبة في موضعها الذي لا يليق به غيرها فوضعها في الموضع الذي يقول من علم الحال لا تليق العقوبة إلا بهذا المحل ولا يليق به إلا العقوبة ولهذا قال عقيب إخباره عن الحكم بين عباده ومصير أهل السعادة إلى الجنة وأهل الشقاء إلى النار وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فحذف فاعل القول إشعارا بالعموم وأن الكون كله قال الحمد لله رب العالمين لما شاهدوا من حكمه الحق وعدله وفضله ولهذا قال في حق أهل النار قيل ادخلوا أبواب جهنم كأن الكون كله يقول ذلك حتى تقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤهم وهو سبحانه بخبر أنه إذا هلك أعداءه أنجى أولياءه ولا يعمهم بالهلاك بمحض المشيئة ولما سأله نوح نجاة ابنه أخبر أنه يغرقه بسوء عمله وكفره ولم يقل إني أغرقه بمحض مشيئتي وإرادتي بلا سبب ولا ذنب وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبله ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج ومكن من أسباب الهداية وأنه لا يضل إلا الفاسقين والظالمين ولا يطبع

إلا على قلوب المعتدين ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم وأن الرين الذي غطى به قلوب الكفار وهو عين كسبهم وأعمالهم كما قال كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال عن أعدائه من اليهود وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وأخبر أنه لا يضل من هداه حتى يبن له ما يتقي فيختار لشقوته وسوء طبيعته الضلال على الهدى والغي على الرشاد ويكون مع نفسه وشيطانه وعدو ربه عليه
وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيءلأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه وقوله لم يبق بينه وبينها إلا ذراع يشكل على هذا التأويل فيقال لما كان العمل بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تلك الآفة والداهية والباطنة في وقت الحاجة فرجع إلى موجبها وعملت عملها ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه لقد أورده مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض
وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة إني أعلم مالا تعلمون فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد مالا يعلمه الملائكة فلما أمروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين

وأما خوف أوليائه من مكره فحق فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته وقوله أفأمنوا مكر الله إنما هو في حق الفجار والكفار ومعنى الآية فلا يعصي ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع اغترار فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة وأمر آخر وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيسرع إليهم البلاء والفتنة فيكون مكره بهم تخليه عنهم وأمر آخر أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون وأمر آخر أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر
فصل السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها
والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظل وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في لدنيا والخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم
فصل إذا بلغ العبد أعطى عهده الذي عهده إليه خالقه ومالكه فإذا أخذ
عهده بقوة وقبول

وعزم على تنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب التي يصلح لها الموفون بعهودهم فإذا هز نفسه عند أخذ العهد وانتحاها وقال قد أهلت لعهد ربي فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني فحرص أولا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له ثم وطن نفسه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمنه فاستحدث همة أخرى وعزيمة غير العزيمة التي كان فيها وقت الصبا قبل وصول العهد فاستقال من ظلمة غرة الصبا والانقياد للعادة والمنشأ وصبر على شرف الهمة وهتك ستر الظلمة إلى نور اليقين فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله فأول مراتب سعادته أن تكون له أذن واعية وقلب يعقل ما تعيه الأذن فإذا سمع وعقل واستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينا وشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين كان سبب انحرافهم عدم قبول العهد أو قبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ولا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه بل عرض غيهم العهد ومعهم ضراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات فتلقوا العهد تلقي من هو مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه وعادتهم لا تكفي من يجمع همه وقلبه على فهم العهد والعمل به حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له تأمل ما فيه ثم اعمل بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي اخلد إلى سير القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده فإن علت همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضى لنفسه أن يكون دينه دين العادة فإذا شامة الشيطان ورأى هذا مبلغ همته وعزيمته رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه وزين له أن هذا هو الحق وما خالفه باطل ومثل له الهدى في صورة الضلال والضلال في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أسست على غير علم فرضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم فخذل عن الهدى وولاه الله ما تولى فلو جاءه كل هدى يخالف قومه وعشيرته لم يره

إلا ضلالة وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبل على حفظ عهده وفهمه وتدبره وعلم أن لصاحب العهد شأنا ليس كشأن غيره فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد فوجده قد تعرف إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه وأفعاله وأحكامه فعرف من ذلك العهد قيوما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه مستو على عرشه فوق جميع خلقه يرى ويسمع ويرضي ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه وأنه قائم بالقسط مجاز بالإحسان والإساءة وأنه حليم غفور شكور جواد محسن موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب ونقص وأنه لا مثل له ويشهد حكمته في تدبير مملكته وكيف يقدر مقاديره بمشيئة غير مضادة لعدله وحكمته وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدق كل منهما صاحبيه وفهم عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطق ولها أثبت وحقق وبها تعرف إلا عبادة حتى أقرت به العقول وشهدت به الفطر فإذا عرف بقلبه وتيقن صفات صاحب العهد وأشرقت أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة فرأى حينئذ تعلقها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريان آثارهما في العالم الحسي والعالم الروحي ورأى تصرفها في الخلائق كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت وأعطت ومنعت فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته ومعيته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه ورأى لزوم الحجة مع قهر المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة بعضها لبعض وانعطاف الحكمة التي هي نهاية وغاية على المقادير التي هي أول وبداية ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى

غاياتها حتى كأنه مشاهد مباديء الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان لا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام يوم الفصل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع الخليقة إنسها وجنها مؤمنها وكافرها وحينئذ يتبين من صفات جلاله ونعوت كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك حتى أن أعرف خلقه به في الدنيا يثني عليه يومئذ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يحسنه في الدنيا وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضل الضالون وانقطع المنقطعون فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق الأسماء والصفات العلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ومشاهدتهما وأعظم من ذلك وكذلك يفهم من العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك خلقه سدى وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها مثقال ذرة ويرى أنه لو كان معه إله آخر لفسد هذا العالم فكانت تفسد السماوات والأرض ومن فيهن وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك هذا العالم بأسره ولم يثبت طرفة عين ويرى ذلك الإسلام والإيمان اللذين تعبد الله بهما جميع عباده كيف انبعاثهما من الصفات المقدسة وكيف اقتضيا الثواب والعقاب عاجلا وآجلا ويرى مع ذلك أنه لا يستقيم قبول هذا العهد والتزامه لمن جحد صفاته وأنكر علوه على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده كما لا يستقيم قبوله لمن أنكر حقيقة سمعه وبصره وحياته وإرادته وقوته وأن هؤلاء هم الذين ردوا عهده وأبوا قبوله وأن من قبلهم منهم لم يقبله بجميع ما فيه وبالله التوفيق

فصل خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما
فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم وفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب
وبالجملة فكما خف البدن لطفت الروح وخفت وطلبت عالمها العلوي وكلما ثقل وأخلد إلى الشهوات والراحة ثقلت الروح وهبطت من عالمها وصارت أرضية سفلية فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى وبدنه عندك فيكون نائما على فراشه وروحه عند سدرة المنتهى تجول حول العرش وآخر واقف في الخدمة ببدنه وروحه في السفل تجول حول السفليات فإذا فارقت الروح البدن التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة وعند الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قال تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا فذكره كلامه الذي أنزله على رسوله والإعراض عنه ترك تدبره والعمل به والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب القبر قاله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس وفيه حديث مرفوع وأصل الضنك في اللغة الضيق والشدة وكل ما ضاق فهو ضنك يقال منزل ضنك وعيش الضنك فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات والراحة فإن النفس كلما وسعت عليها ضيقت على القلب حتى تصير معيشة ضنكا وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ فضنك المعيشة في

الدنيا بموجب التقوى سعتها في البرزخ والآخرة وسعة المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة فآثر أحسن المعيشتين وأطيبهما وأدومهما وأشق البدن بنعيم الروح ولا تشق الروح بنعيم البدن فإن نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون والله المستعان
العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لا يقدرون على تركها ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها وقد قال يحيى بن معاذ طلب العاقل للدنيا خير من ترك الجاهل لها العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشق عليهم الإجابة فإن الفطام عن الثدي الذي ما عقل الإنسان نفسه إلا وهو يرتضع منه شديد ولكن بخير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن فإن للبن تأثيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المرأة الحمقى يعود بحمق الولد وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة فإن قويت على مرارة الفطام وإلا فارتضع بقدر فإن من البشم ما يقتل
فصل بين رعاية الحقوق مع الضر ورعايتها مع العافية بون بعيد أن عبدي
كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع الخدمة إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال وقلبه واقف في الخدمة غير متخلف بما يقدر عليه

فصل معرفة الله سبحانه نوعان معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس
البر والفاجر والمطيع والعاصي والثاني معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم فيهالا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها وقد قال اعرف الخلق به لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأخبر أنه سبحانه يفتح عليه يوم القيامة من محامدة بما لا يحسنه الآن
ولهذه المعرفة بابان واسعان باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها والفهم الخاص عن الله ورسوله والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه وجماع ذلك الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر فيكون فقيها في أوامره ونواهيه فقيها في قضائه وقدره فقيها في أسمائه وصفاته فقيها في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
فصل الدراهم أربعة دراهم اكتسب بطاعة الله وأخرج في حق الله فذاك خير
الدراهم ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله فذاك شر الدراهم ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم فهو كذلك ودرهم اكتسب بمباح وأنفق في شهوة مباحة فذاك لا له ولا عليه هذه أصول الدراهم ويتفرع

عليها داهم أخر منها درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل ودرهم اكتسب بباطل وأنفق في حق فإنفاقه كفارته ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم فكذلك يتعلق باكتسابه وكذلك يسأل عنه مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه وفيما أنفقه
فصل المواساة للمؤمن أنواع مواساة بالمال ومواساة الجاه ومواساة
بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم ومواساة بالتوجع لهم على قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة وكلما قوي قويت وكان رسول الله أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فقالوا ما هذا يا أبا نصر فقال ذكرت الفقراء وبردهم وليس لي ما أواسيهم به فأحببت أن أواسيهم في بردهم
فصل الجهل بالطريق وآفاتها والمقصود يوجب التعب الكثير مع الفائدة
القليلة فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض أو في عمل بالجوارح لم يواطئه عمل القلب أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالإقتداء أو همة إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود أو عمل لم يتحرز من آفاته المفسدة له حال العمل وبعده أو عمل غفل فيه عن مشاهدة المنة فلم يتجرد عن مشاركة النفس فيه أو عمل لم يشهد تقصيره فيه فيقوم بعده في مقام الاعتذار منه أو عمل لم يوفه حقه من النصح والإحسان وهو يظن أنه وفاه فهذا كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب والله الموفق

فصل إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع
والقواطع فينخدع أولا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ذلك فإن وقف معه وانقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ابتلى بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه إن لم يقف معها ابتلى بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظرا إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أو تألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء وبالله التوفيق
فصل النعم ثلاثة نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة
وهو فيها لا يشعر بها فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفة نعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيدا به حتى لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر ورفقة لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها ورفقة لاجتنابها وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه وعرفه النعم التي

هو فيها فلا يشعر بها ويحكي أن أعرابيا دخل على الرشيد فقال أمير المؤمنين ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها فأعجبه ذلك منه وقال ما أحسن تقسيمه
قاعدة جليلة مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها
توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإيرادات والإيرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة تكراره تعطي العدة فصلح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها بفسادها فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وألهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحابه فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ومن توليه لعبده كل حفظ ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء فيضفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضرا معه مشاهدا له ناظرا إليه رقيبا عليه مطلعا على خواطره وإرادته وهمه فحينئذ يستحي منه ويجله أن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله أو يرى نفسه خاطرا يمقته عليه
فمتى أنزل ربه هذه المنزلة منه رفعه وقربه منه وأكرمه واجتباه وولاه وبقدر ذلك يبعد عن الأوساخ والدناآت والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة كما أنه بعد منه واعرض عنه وقرب من الأوساخ والدناآت والأقذار ويقطع عن جميع الكمالات ويتصل بجميع النقائص فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه

وشر المخلوقات إذا تباعد عنه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته فمتى اختار التقرب إليه وآثره على نفسه وهواه فقد حكم قلبه عقله وإيمانه على نفسه وشيطانه وحكم رشده على غيه وهداه على هواه ومتى اختار التباعد منه فقد حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده
وأعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له وعلى رفع أقبحها وكراهته له نفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان وفي لفظ الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة وفيه قولان أحدهما أن رده وكراهيته صريح الإيمان والثاني أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان و إزالته به وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصا طحنته فلأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا وحصا وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه

فصل فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده وإن قبلته صار
فكرا جوالا فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل وتداركه أسهل من قطع العوائد فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك فمثالك معه مثال صاحب رحا يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه في إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحب و خرج الطحين كله فاسدا والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل الوجود لو كان على خلاف وذلك وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع

الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لاحقيقة لها وإما في باطل أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوى عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه
وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى الدخول إلى الجنة والنار وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته وعند العارفين أن تمني الخيانة واشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلىء منها وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله فإذا اطلع على سره وقصد مقته غاية المقت وابغضه وقابله بما يستحقه وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسره مع الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها فالأول يتركها عجزا واشتغالا بما هو فيه وقلبه ممتلىء بها والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس فيه إضمار الخيانة ولا الإصرار عليها فهذا احسن حالا وأسلم عاقبة من الأول
وبالجملة فالقلب لا يخلو من الفكر وأما في واجب آخرته ومصالحها وإما في مصالح دنياه ومعاشه وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحا تدور بما يلقي فيها فإن ألقيت فيها حبا دارت به وإن ألقيت فيها زجاجا وحصا وبعرا دارت به والله سبحانه هو قيم تلك الرحا ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به شيطانا يلقى فيها ما يضرها فتدور به فالملك يلم بها مرة والشيطان يلم بها مرة فالحب الذي يقيه

الملك ايعاد بالخير وتصديق بالوعد والحب الذي يلقيه الشيطان ايعاد بالشر وتكذيب بالوعد والطحين على قدر الحب وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع وقيمها قد أهملها وأعرض عنها فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها
وبالجملة فقيم الرحا إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإرادتها بما معه وأصل صلاح هذه الرحى بالاشتغال بما يعنيك وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك وما أحسن ما قال بعض العقلاء لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف ورأيت الزوال حاكما عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه الحجا أنه أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر والله المستعان
قال شقيق بن إبراهيم اغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء اشتغالهم بالنعمة عن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العمل والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة والاغترار بصحبة الصالحين وترك الإقتداء بفعالهم وادبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها قلت وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة وأصله ضعف اليقين وأصله ضعف البصيرة واصله مهانة النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وإلا فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها وكبرها وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها أي أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشريفة لا ترضي من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل والنفس المهينة

الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها وهذا معنى قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يشاكله ويناسبه فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعادته التي ألفها وجبل عليها فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن النعم والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر النعم ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله فصل
من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه فأعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتا وهو القلب ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى فهو مستو على عرشه بذاته بائن من خلقه والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستو على سرير القلب وعلى السرير بساط من الرضا ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره وفتح إليه بابا من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس وجعل في وسط البستان شجرة معرفة فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من تدبير كلامه وفهمه والعمل بوصاياه وعلق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ثم أحاط عليه حائطا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان فلا يلحقه إذا هم وأقام عليه حرسا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائما همه إصلاح السكن ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلا وإذا أحس بأدنى شعث في السكن

بادر إلى إصلاحه ولمه خشية انتقال الساكن منه فنعم الساكن ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب وصار مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فيها ولا حافظ لها وهي معدة لقضاء الحاجة مظلمة الأرجاء منتنة الرائحة قد عمها الخراب وملأتها القاذورات فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط من الجهل وتخفق فيه الأهواء وعم يمينه وشماله مرافق الشهوات وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة والركون إلى الدنيا والطمأنينة بها والزهد في الآخرة وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع وما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات من الزوائد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات وتزهد في الطاعات وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون والذهاب مع كل ريح واتباع كل شهوة ومن ثمرها العموم والغموم والأحزان والآلام ولكنها متوارية بإشغال النفس بلهوها ولعبها فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من اتباع الهوى وطول الأمل والغرور ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان ولا مؤذ ولا قذر فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه ومن جهل ذلك جهل نفسه وأضاع سعادته وبالله التوفيق
سأل سهل التستري الرجل يأكل في اليوم أكلة قال أكل الصديقين قيل له فأكلتين قال أكل المؤمنين قيل له فثلاث أكلات فقال قل لأهله يبنوا

له معلفا قال الأسود بن سالم ركعتين أصليهما لله أحب إلي من الجنة بما فيها فقيل له هذا خطأ فقال دعونا من كلامكم الجنة رضى نفسي والركعتان رضى ربي ورضى ربي أحب إلي من رضى نفسي العارف في الأرض ريحانه من رياحين الجنة إذا شمها المريد اشتاقت نفسه إلى الجنة قلب المحب بين جلال محبوبه وجماله فإذا لاحظ جلاله هابه وعظمه وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إليه
فائدة من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان ومنهم من يعرفه
بالعفو والحلم والتجاوز ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة ومنه من يعرفه بالعزة والكبرياء ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف ومنهم من يعرفه بالقهر والملك ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه فإنه يعرف ربا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن المثال برئ من النقائص والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد فوق كل شيء ومع كل شيء وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء آمرناه متكلم بكلماته الدينية والكونية أكبر من كل شيء وأجمل من كل شيء أرحم الراحمين وأقدر القادرين واحكم الحاكمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه وبحال السالكين بعد الوصول إليه
فائدة من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها
عليه واختارها له فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خير له منها وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة وبعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه حتى إذا ضاق ذرعا

بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها واستحكم ملكه لها سلبه الله إياها فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه فإذا أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورضاه به وأوزعه شكره عليه فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها مفوض إلى الله طالب منه حسن اختياره له وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة هذا وهي من أعظم نعم الله عليه فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلما فكم من سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله قال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فليس للنعم أعدى من نفس العبد فهو مع عدوه ظهير على نفسه فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها فهو الذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق وكان غايته معاتبة الأقدار
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
فصل ومن أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص
الخلق وكلهم عرفه بصفة من صفاته وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب

عن وجهه لأحرقت سبحانه ما انتهى إليه بصره من خلقه ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال ويكفي في جماله أنه له العزة جميعا والقوة جميعا والجود كله والإحسان كله والعلم كله والفضل كله ولنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال النبي في دعاء الطائف أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة وقال عبد الله بن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السموات والأرض ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء وتشرق الأرض بنوره ومن أسمائه الحسنى الجميل وفي الصحيح عنه إن الله جميل يحب الجمال
وجماله سبحانه على أربع مراتب جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها صفات كمال وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلي من أكرمه من عباده فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار كما قال رسوله فيما يحكى عنه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ولما كانت الكبرياء أعظم وأوسع كانت أحق باسم الرداء فإنه سبحانه الكبير المتعال فهو سبحانه العلي العظيم قال ابن عباس حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال
ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استبدل بجمال الصفات على جمال الذات ومن ههنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ثناء

عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنه يستحق أن يعبد لذاته ويحب لذاته ويشكر لذاته وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ويحمد نفسه وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه وثناءه وعلى نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى به عليه خلقه وهو سبحانه كما يحب كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله فكل أفعاله حسن محبوب وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فليس في أفعاله ما هو مكروه مسخوط وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه وكل ما يحب سواه فإن كانت محبته نابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحة وإلا فهي محبة باطلة وهذا هو حقيقة الإلهية فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته فعلى العبد أن يعلم انه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله وان يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعا وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كمحبته محبة والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها فإنها غاية الحب بغاية الذل ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملا
وحمده يتضمن أصلين الإخبار بمحامده وصفات كماله والمحبة له عليها فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدا ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامدا حتى يجمع الأمرين وهو سبحانه يحمد نفسه بنفسه ويحمد نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فهو الحامد لنفسه بهذا وهذا فإن حمدهم له بمشيئته وإذنه وتكوينه فإنه هو الذي جعل الحامد حامدا والمسلم مسلما والمصلي مصليا والتائب تائبا فمنه ابتدأت النعم وإليه انتهت فابتدأت بحمده وانتهت إلى حمده وهو الذي الهم عبده التوبة وفرح

بها أعظم فرح وهي من فضله وجوده وألهم عبده الطاعة وأعانه عليها ثم أثابه عليها وهي من فضله وجوده وهو سبحانه غني عن كل ما سواه بكل وجه وما سواه فقير إليه بكل وجه والعبد مفتقر إليه لذاته في الأسباب والغايات فإن مالا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع
فصل وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب
المسؤول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء كما في الحديث الآخر إن الله نظيف يحب النظافة وفي الصحيح إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وفي السنن إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده وفيها عن أبي الأحوص الجشمي قال رآني النبي وعلى أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل ما آتى الله من الإبل والشاه قال فلتر نعمته وكرامته عليك فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمل ظواهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خيرا وقال في أهل الجنة ولقاهم نظرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا فجمل وجوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والافعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله ولكن ضل في هذا الموضوع فريقان فريق قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جميع

ما خلقه فلا نبغض منه شيئا قالوا ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة وأنشد منشدهم
وإذا رأيت الكائنات بعينهم ... فجميع ما يحوي الوجود مليح
واحتجوا بقوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه وقوله صنع الله الذي أتقن كل شيء وقوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت والعارف عندهم هو الذي يصرح بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحا وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ويحل فيها وأن كان اتحاديا قال هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية
فصل وقابلهم في الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور
وتمام القامة والخلقة فقال عن النافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي أموالا ومناظر قال الحسن هو الصور وفي صحيح مسلم عنه إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم قالوا ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك وإنما نفى نظر المحبة قالوا وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية والذهب الفضة وذلك من أعظم جمال الدنيا وقال ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وفي الحديث البذاذة من الإيمان وقد ذم الله المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس
وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع منه ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم فالمحمود منه ما كان

لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي يتجمل للوفود وهو نظير لباس آله الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين فأوله معرفة وآخره سلوك فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بالطاعة وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظفار فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك
فصل ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق
العزيمة فيصدقه في عزمه وفي فعله قال تعالى فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل فصدق العزيمة جمعها وجزمها وعدم التردد فيها بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوم فإذا صدقت عزيمته بقى عليه صدق الفعل وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره وباطنه فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره

وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله
فائدة جليلة في القدر
رب ذو إرادة أمر عبدا ذا إرادة فإن وفقه وأراد من نفسه أن يعينه ويلهمه فعل ما أمر به وإن خذله وخلاه وإرادته ونفسه وهو من هذه الحثيثة لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعه فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك ولذلك ذمة الله في كتابه من هذه الحثيثة ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحثيثة وهو كونه مسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونحو ذلك وهذا أمر زائد على مجرد كونه إنسانا وإرادته صالحة ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد بقدر زائد على ذلك وهو التوفيق كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عنها
فصل من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير من الناس وقلبك
خال من تعظيم الله وتوقيره فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها قال تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تعاملونه معاملة من توقرونه والتوقير والعظمة ومنه قوله تعالى وتوقروه قال الحسن ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه وقال مجاهد لا تبالون عظمة ربكم وقال ابن زيد لا ترون لله طاعة وقال ابن عباس لا تعرفون حق عظمته وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره

في القلب ولهذا قال بعض السلف ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن يذكره عند ما يستحي من ذكره فيقرن اسمه به كما تقول قبح الله الكلب والخنزير والنتن ونحو ذلك فهذا من وقار الله ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا من خلقه لا في اللفظ بحيث تقول والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء الله وشئت ولا في الحب والتعظيم والإجلال ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله بل أعظم كما عليه اكثر الظلمة والفجرة ولا في الخوف والرجاء ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول هو مبنى على المسامحة ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية والناس في ناحية وحد فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ولا يعطي الخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطى الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه
فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ومن كان كذلك فإن الله لا يلقى له في قلوب الناس وقارا ولا هيبة بل يسقط وقاره وهيبته في قلوبهم وإن وقروه مخافة شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم ومن وقار الله أن يستحي من إطلاعه على سره وضميره فيرى فيه ما يكره ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر الناس
والمقصود أن من لا يوقر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يطلب من الناس توقيره وتعظيمه القرآن والعلم وكلام الرسول صلات من الحق وتنبيهات وروادع وزواجر واردة إليك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم بك فلا ما ورد إليك وعظك ولا ما قام بك نصحك ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك فأنت كمصاب لم تؤثر فيه مصيبة وعظا وانزجارا وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر إلى مصابه فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه من سمع بالمثلات والعقوبات

والآيات في حق غيره وليس الله كمن رآها عيانا في غيره فكيف بمن وجدها في نفسه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فآياته في الآفاق مسموعة معلومة وآياته في النفس مشهودة مرئية فعياذا بالله من الخذلان قال تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم وقال ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله
والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة وإن لم يكن هكذا فالموت خير له لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر فإنها زيادة في ألمه وهمه وغمه وحسرته وإنما حسن طول العمر ونفع ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم وإلا فلا خير له في حياته فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم واللذة فإنه كلما طال السفر أيها كانت الصبابة أجل وأفضل وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل فالمسافر إما صاعد وإما نازل وفي الحديث المرفوع خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وقبيح عمله
فالطالب الصادق في طلبه كما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته وكلما منع شيئا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته

فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنه أو ترك واجب ظاهر أو باطن فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة وبالله التوفيق فائده
الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير
فائدة عند العارفين إن الاشتغال بالمشاهدة عن البر في السير في السر
وقوف لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحب عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من معرفة وإيمان مفصل كان أولى به فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة عملها ومعرفتها وهمتها وإرادتها والبدن يحشر على صورة عمله الحسن أو القبيح وإذا انتقلت من هذه الدار شاهدت حقيقة ذلك وعلى قدر قرب قلبك من الله تبعد من الأنس بالناس ومساكنتهم وعلى قدر صيانتك لسرك وإرادتك يكون حفظه وملاك ذلك صحة التوحيد ثم صحة العلم بالطريق ثم صحة الإرادة ثم صحة العمل والحذر

كل الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يعثروا على موضع غرضك فإنها الآفة العظمى
فائدة كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث
جهات أحدها التزيد والإسراف فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ الشيطان ومدخله إلى القلب وطريق الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لذة أو راحة فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو منه الثانية الغفلة فإن الذاكر في حصن الذكر فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه الثالثة تكلف مالا يعنيه من جميع الأشياء
فائدة طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة بل وإلى كل علم وصناعة
ورئاسة بحيث يكون رأسا في ذلك مقتدى به فيه يحتاج إن يكون شجاعا مقداما حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا لما توجه إليه عارفا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه مقدام الهمة ثابت الجأش لا يثنيه عن مطلوبه لوم لأثم ولا عذل عاذل كثير السكون دائم الفكر غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم قائما بما يحتاج إليه من أسباب معونته لا تستفزه المعارضات شعاره الصبر وراحته التعب محبا لمكارم الأخلاق حافظا لوقته لا يخالط الناس إلا على حذر كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم قائما على نفسه بالرغبة والرهبة طامعا في نتائج الاختصاص على بني جنسه غير مرسل شيئا من حواسه عبثا ولا مسرحا

خواطره في مراتب الكون وملاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب وعند العوام أن لزوم الأدب مع الحجاب خير من اطراح الأدب مع الكشف
فائدة من الذاكرين من يبتديء بذكر اللسان وان كان على غفلة ثم لا
يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطئا على الذكر ومنهم من لا يرى ذلك ولا يبتدىء على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوى استتبع لسانه فتواطئا جميعا فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولا حتى يحس بظهور الناطق فيه فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرا وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده
فصل أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا أو
تصنع إليه معروفا فأنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي الله فيه فإنه عون لك على مضرتك ونقصك
فصل اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد
انقضائها فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها ثم وازن بين الأمرين

وانظر ما بينهما من التفاوت والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة والراحة فإذا ثقلت على النفس ففكر في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذتها وسرورها ووازن بين الأمرين وآثر الراجح على المرجوح فإن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة يهن عليك مقاساته وإن تألمت بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه ووازن بين الألمين وخاصية العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما
وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها وإلى عقل يختار به الأولى وإلا نفع به له منها فمن وفر قسمه من العقل والعلم واختار الأفضل وآثره ومن نقص حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدا منهما إلا بمشقة فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما
فصل لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر وله عليه فيه
نهي وله فيه نعمة وله به منفعة ولذة فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به وان عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه تقربه منه فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه وان شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في التقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة قال تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر
فصل أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع
فافترقوا فرقتين فرقة قابلت أمره بالترك ونهيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة عن الشكر ومنعه

بالسخط وهؤلاء أعداؤه وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك وقسم قالوا إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة وان نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه وان أعطيتنا حمدناك وشكرناك وان منعتنا تضر إليك وذكرناك فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا فإذا مزقه عليهم الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم
فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر مع من تميل منهما ومع من تقاتل إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين فأنت مع أحدهما لا محالة فالفريق الأول استغشوا الهوى فخالفوه واستنصحوا العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له وجوارحهم للعمل بما أمروا به وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها واهتموا بالله وطاعنه على قدر حاجتهم إليها وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها فعجل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها أن آنسهم بنفسه وأقبل بقلوبهم إليه وجمعها على محبته وشوقهم إلى لقائه ونعمهم بقربه وفرغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها والغم من خوف ذهابها فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدانهم والملأ الأعلى بأرواحهم
فصل التوحيد أصلف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه فأدنى شيء يخدشه ويدنسه
ويؤثر فيه فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا أدنى شيء يؤثر فيها ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر صاحبه

وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه
وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرا عظيما ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده فيظهر تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير وأيضا فإن المحل الصافي جدا يظهر لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة وأيضا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليسامح بما لا يسامح به من أتى مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن كما قيل
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وأيضا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه كما يشاهد ذلك في الإخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها
فائدة ترك الشهوات لله وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته
فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا يحصل في قلب فيه غيره وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم فإن سبحانه أبى أن يجعل

ذخائره في قلب فيه سواه وهمته ومتعلقة بغيره وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله والغنى فقرا دون الله والعز ذلا دونه والذل عزا ومعه والنعيم عذابا دونه والعذاب نعيما معه وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به ومع الموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه فهذا له جنتان جنة في الدنيا معجلة وجنة يوم القيامة
فائدة الإنابة هي عكوف القلب على الله عز و جل كاعتكاف البدن في المسجد
لا يفارقه وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الخنفاء لقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف فكان حظ قومه العكوف على التماثيل وكان حظه العكوف على الرب الجليل والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا عليها فهو نظير عكوف الأصنام عليها ولهذا سماه النبي عبدا لها ودعا عليه بالتعس والنكس فقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش
الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم وكل مسافر فهو ظاعن إلى مقصده ونازل على من يسر بالنزول عليه وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى الله في حال سفره ونازل عليه عند القدوم عليه فهذه همته في سفره وفي

انقضائه يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي وقالت امرأة فرعون رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل الدار من كلام الشيخ على
قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبد فاقة إلى غيري فأضاعفها عليك مكافأة لخروجك عن حدك في عبوديتك ابتليتك بالفقر لتصير ذهبا خالصا فلا تزيفن بعد السبك حكمت بالفقر ولنفسي بالغنى فان وصلتها بي وصلتك بالغنى وان وصلتها بغيري حسمت عنك مواد معونتي طردا لك عن بابي لا تركن إلى شيء دوننا فإنه وبال عليك وقاتل لك إن ركنت إلى العمل رددناه عليك وإن ركنت إلى المعرفة نكرناها عليك وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فيه وان ركنت إلى العلم أو قفناك معه وان ركنت إلى المخلوقين وكلناك إليهم ارضنا لك ربا نرضاك لنا عبدا
فائدة الشهقة التي تعرض عند سماع القرآن أو غيره لها أسباب أحدها يلوح
له عند سماع درجة ليست له فيرتاح إليها فتحدث له الشهقة فهذه شهقة شوق وثانيها أن يلوح له ذنب ارتكبه فيشهق خوفا وحزنا على نفسه وهذه شهقة خشية وثالثها أن يلوح له نقص فيه لا يقدر على دفعه فيحدث له ذلك حزنا فيشهق شهقة حزن ورابعها أن يلوح له كمال محبوبه ويرى الطريق إليه مسدودة عنه فيحدث ذلك شهقة أسف وحزن وخامسها أن يكون قد توارى عنه محبوبه واشتغل بغيره فذكره السماع محبوبه فلاح له جماله ورأى الباب مفتوحا والطريق ظاهرة فشهق فرحا وسرورا بما لاح وبكل حال فسبب الشهقة قوة الوارد وضعف

المحل عن الاحتمال والقوة أن يعمل ذلك الوارد عمله داخلا ولا يظهر عليه وذلك أقوى له وأدوم فإنه إذا أظهره ضعف أثره وأوشك انقطاعه هذا حكم الشهقة من الصادق فإن الشاهق إما صادق وإما سارق وإما منافق
قاعدة جليلة أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة
والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وانفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار ويليها أربعة فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت وهذه الأفكار تعلى همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد وبازاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه ومنها الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت صحيحة لم يعط الفكر فيها النفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي واكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نفسه ومنها الفكر في الشهوات

واللذات وطرق تحصيلها وهذا وإن كان لنفس فيه لذة لكن لا عاقبة له ومضرته في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعاف مسرته ومنها الفكر فيما لم يكن لو كان كيف كان يكون كالفكر فيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضيعة ماذا يصنع وكيف يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم ونحو ذلك من أفكار السفل ومنها الفكر في جزيئات أحوال الناس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلك من فكر النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة ومنها الفكر في دقائق الحيل والمكر التي يتوصل بها إلى أغراضه وهواه مباحة كانت أو محرمة ومنها الفكر في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء والغزل والمراثي ونحوها فإنه يشغل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياته الدائمة ومنها الفكر في المقدرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ولا بالناس حاجة إليها البتة وذلك موجود في كل علم حتى في علم الفقه والأصول والطب فكل هذه الأفكار مضرتها أرجح من منفعتها ويكتفي في مضرتها شغلها عن الفكر فيما هو أولى به وأعود عليه بالنفع عاجلا وآجلا
قاعدة الطلب لقاح الإيمان فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمر العمل
الصالح وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه فإذا اجتمعا أثمر إجابة الدعاء والخشية لقاح المحبة فإذا اجتمعا أثمر امتثال الأوامر وأجتناب والنواهي والصبر لقاح اليقين فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وصحة الاقتداء بالرسول لقاح الإخلاص فإذا اجتمعا أثمر قبول العمل والاعتداد به والعمل لقاح العلم فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة وإن انفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئا والحلم لقاح العلم فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم وإن انفرد

أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع والعزيمة لقاح البصيرة فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة وبلغت به همته من العلياء كل مكان فتخلف الكمالات إما من عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة وحسن القصد لقاح لصحة الذهن فإذا فقدا فقدا الخير كله وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات وصحة الرأي لقاح الشجاعة فإذا اجتمعا كان النصر والظفر وإن قعدا فالخذلان والخيبة وإن وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز وإن حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهور والعطب والصبر لقاح البصيرة فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما قال الحسن إذا شئت أن ترى بصير إلا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا إلا بصيرة له رأيته فإذا رأيت صابرا بصيرا فذاك والنصيحة لقاح العقل فكلما قويت النصيحه قوى العقل واستنار والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر إذا اجتمعا انتجا الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والتقوى لقاح التوكل فإذا اجتمعا استقام القلب ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل فإذا اجتمعا فالخير كله في اجتماعهما والشر في فرقتهما ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة فإذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد
قاعدة للعبد بين يدي الله موقفان موقف بين يديه في الصلاة وموقف بين
يديه يوم لقائه فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف قال تعالى ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا
قاعدة اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكل حي فلا تذم من
جهة كونها لذة وإنما تذم ويكون تركها خيرا من نيلها وانفع إذا تضمنت فوات لذة

أعظم منها وأكمل أو أعقبت ألما حصوله اعظم من ألم فواتها فههنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل ضمن عرف العقل بين فمتى علاف التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر واقصر وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا والمعول في ذلك على الإيمان واليقين فإذا قوى اليقين وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة واحتمل الألم الأسهل على الأصعب والله المستعان
فائدة قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين
جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في المتملق له والإقرار له بصفة الرحمة وإنه أرحم الراحمين والتوسل إليه بصفاته سبحانه وشدة حاجته وهو فقره ومتى وجد المبتلى هذا كشف عنه بلواه وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة كشف الله ضره
فائدة قوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال
أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما والحقني بالصالحين جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستلام للرب وإظهار الافتقار إليه والبراءة من موالاة غيره سبحانه وكون الوفاة على الإسلام اجل غايات العبد وان ذلك بيد الله لا بيد العبد والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء

فائدة قول الله تعالى
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه متضمن لكنز من الكنوز وهو أن يطلب كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه وقوله وإن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع فإنه ليس إليه المنتهى وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه فاجتمع ما يراد منه كله في قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه واجتمع ما يراد له كله في قوله وان إلى ربك المنتهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى
وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد
العبد دائما متقلب بين أحكام الأوامر وأحكام النوازل فهو محتاج بل مضطر إلى العون عند الأوامر وإلى اللطف عند النوازل وعلى قدر قيامه بالأوامر يحصل له من اللطف عند النوازل فإن كمل القيام بالأوامر ظاهرا وباطنا ناله اللطف

ظاهرا وباطنا وإن قام بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف في الظاهر وقل نصيبه من اللطف في الباطن فإن قلت وما اللطف الباطن فهو ما يحصل للقلب عند النوازل من السكينة والطمأنينة وزوال القلق والاضطراب والجزع فيستخذى بين يدي سيده ذليلا له مستكينا ناظرا إليه بقلبه ساكنا إليه بروحه وسره قد شغله مشاهدة لطفه به عن شدة ما هو فيه من الألم وقد غيبه عن شهود ذلك معرفته بحسن اختياره له وأنه عبد محض يجري عليه سيده أحكامه رضى أو سخط فإن رضى نال الرضا وإن سخط فحظه السخط فهذا اللطف الباطن ثمرة تلك المعاملة الباطنة يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها
فائدة جليلة لا يزال منقطعا عن الله حتى تتصل إرادته ومحبته بوجه
الأعلى والمراد بهذا الاتصال أن تفضي المحبة إليه وتتعلق به وحده فلا يحجبها شيء دونه وأن تتصل المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله فلا يطمس نورها ظلمة التعطيل كما لا يطمس نور المحبة ظلمة الشرك وأن يتصل ذكره به سبحانه فيزول بين الذاكر والمذكور حجاب الغفلة والتفاته في حال الذكر إلى غير مذكوره فحينئذ يتصل الذكر به ويتصل العمل بأوامره ونواهيه فيفعل الطاعة لا أنه أمر بها وأحبها ويترك المناهي لكونه نهى عنها وابغضها فهذا معنى اتصال العمل بأمره ونهيه وحقيقة زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض والحظوظ العاجلة ويتصل التوكل والحب به بحيث يصير واثقا به سبحانه مطمئنا إليه راضيا بحسن تدبيره له غير متهم له في حال من الأحوال ويتصل فقره وفاقته به سبحانه دون سواه ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به وحده فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يسر به غاية السرور وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور فليس الفرح التام والسرور الكامل والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون

القلب إلا به سبحانه وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرح به وسر به وإن حجب عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحق منه بأن يفرح به فلا فرحة ولا سرور إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته وقد أخبر سبحانه أنه لا يحب الفرحين بالدنيا وزينتها وأمر بالفرح بفضله ورحمته وهو الإسلام والإيمان والقرآن كما فسره الصحابة والتابعون والمقصود أن من اتصلت له هذه الأمور بالله سبحانه فقد وصل وإلا فهو مقطوع عن ربه متصل بحظه ونفسه ملبس عليه في معرفته وإرادته وسلوكه
قاعدة جليلة قد فكرت في هذا الأمر فإذا أصله أن تعلم أن النعم
كلها من الله وحده نعم الطاعات ونعم اللذات فترغب إليه أن يلهمك ويوزعك شكرها قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون وقال فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون وقال واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون وكما أن تلك النعم منه ومن ومجرد فضله فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده وتخليته بينه وبين نفسه وإن لم يكشف ذلك عن عبده فلا سبيل له الى كشفه عن نفسه فإذا هو مضطر إلى التضرع والابتهال إليه أن تدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه وإذا وقعت بحكم المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها فلا ينفك عن العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة ولا فلاح له إلا بها الشكر وطلب العافية والتوبة النصوح
ثم فكرت فإذا مدار ذلك على الرغبة والرهبة وليسا بيد العبد بل بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فإن وفق عبده اقبل بقلبه إليه وملأه رغبة ورهبة وأن خذله له تركه ونفسه ولم يأخذ بقلبه إليه ولم يسأله ذلك وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن

ثم فكرت هل للتوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشية لا سبب لهما فإذا سببهما أهلية المحل وعدمها فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الاستعداد والقبول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحيوان وكذلك النوعان كل منهما متفاوت في القبول فالحيوان الناطق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو متفاوت في القبول أعظم تفاوت وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول لكن ليس بين النوع الواحد م ن التفاوت كما بين النوع الإنساني فإذا كان المحل قابلا للنعمة بحيث يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المنعم بها ويثني عليه بها ويعظمه عليها ويعلم أنها من محض الجود وعين المنة من غير أن يكون هو مستحقا لها ولا هي له ولا به وإنما هي لله وحده وبه وحده فوحده بنعمته إخلاصا وصرفها في محبته شكرا وشهدها من محض جوده منه وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه أن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله وإحسانه وإن سلبه إياها فهو أهل لذلك مستحق له وكلما زاده من نعمه ازداد زلالة وانكسارا وخضوعا بين يديه وقياما بشكره وخشيته له سبحانه أن يسلبه إياها لعدم توفيته شكرها كما سلب نعمته عمن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها فإن لم يشكر نعمته وقابلها بضد ما يلق أن يقابل به سلبه إياها ولا بد قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وهم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره وقال تعالى وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته
فصل وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو
وافته النعم لقال هذا لي وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى قال إنما أوتيته على علم عندي أي على علم علمه عندي استحق به ذلك وأستوجبه واستأهله قال

الفراء أي على فضل عندي إني كنت أهله ومستحقا له إذ أعطيته وقال مقاتل يقول على خير علمه الله عندي وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمان بن داود فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله تعالى هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ولم يقل هذا من كرامتي ثم ذكر قارون وقوله إنما أوتيته على علم عندي يعني أن سليمان رأى ما أوتيته من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلى به شكره وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه وكذلك قوله سبحانه ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه والمؤمن يري ذلك ملكا لربه وفضلا منه من به على عبده من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده وله أن لا يتصدق بها فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئا هو له يستحقه عليه فإذا لم يشهد ذلك رأي فيه أهلا ومستحقا فأعجبه نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على غيرها فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعتاها منه إنه ليؤس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذ كشف عنه البلاء قوله ذهب السيئات عني لو أنه قال اذهب الله السيئات عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك بل كان محمودا عليه ولكنه غفل عن المنعم بكشفها ونسب الذهاب إليها فرح وافتخر فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فاخبر سبحانه أن محلهم غير قابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها

ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان منها وفيها وأسباب التوفيق من جعل الله سبحانه لها قابلة للنعمة فأسباب التوفيق منه ومن فضله وهو الخالق لهذه وهذه كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له وخلق الشجر هذه تقبل الثمرة وهذه لا تقبلها وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه والزنبور غير قابل لذلك وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده وهو الحكيم العليم قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي الفرق أبو العباس احمد بن تيمية رحمه الله
فصل قال الله تعالى
ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم احسن الذي كانوا يعملون ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وقال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل

الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال الله تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله من كفر بالله من بعد إيمانه قال بعد ذلك ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنا وإما أن لا يقول آمنا بل يستمر على عمل السيئات فمن قال آمنا امتحنه الرب عز و جل وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته فإن أحدا لن يعجز الله تعالى هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذنهم قال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن وقال تعالى كذلك ما أني الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون وقال تعالى ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلى بما يؤلمه وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في بد من الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة والآخرة والكافر تحصل له النعمة ابتداء ثم يصير في الألم سال رجل الشافعي فقال يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلي فقال الشافعي لا يمكن حتى يبتلي فإن الله ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وهذا اصل عظيم فينبغي للعاقل أن يعرفه وهذا يحصل لكل أحد فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له من أن يعيش مع الناس والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها وإن لم يوافقوهم آذوه وعذبوه وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتاره من غيرهم ومن اختبر أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا كقوم يريدون الفواحش والظلم

ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم وهم لا يتمكنون مما لا يريدون إلا بموافقة ألئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم فيطلبون من أولئك الموافقه أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كما أولئك يخافونه ابتداء كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم فإن لم يجبهم آذوه وعادوه وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه وإلا عذب بغيرهم فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروي موقوفا ومرفوعا من أرضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس وفي لفظ رضي الله عنه وأرضي عنه الناس ومن أرضي الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا وفي لفظ عاد حامده من الناس ذاما
وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم فمن هداه الله وأرشده امتنع من فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون العاقبة في الدنيا والآخرة كما جرى للرسل واتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع

انه لا بد أن يبتلي الناس والابتلاء يكون بالسراء والضراء ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا وقال تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقال تعالى فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين هذا في آل عمران وقد قال قبل ذلك في البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا إن نصر الله قريب وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كبر الامتحان إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد فلا يحصل له شر إلا منها قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وقال تعالى أو لما أصابتكم مصيبة من مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وقال وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيدكم ويعفو عن كثير وقال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت وفي كل ذلك يقول إنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون وأول من اعترف بذلك أبواهم قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقال لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم كما قال فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى إن عبادي

ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين والغي اتباع هوى النفس وما زال السلف معترفون بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود أقول فيها برأبي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه عز و جل يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا آله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن رسول الله علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه اشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وان أقترف على نفسي سوأ أو أجرة إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك وكان النبي يقول في خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وقد قال النبي إني أخذ بحجركم عن النار وأنتم تهافتون تهافت الفراش شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته وهي صغيرة النفس فإنها جاهلة سريعة الحركة وفي الحديث مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة وفي حديث آخر للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه أنه استخفه قال عن فرعون إنه استخف قومه فأطاعوه وقال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش وصاحب اليقين ثابت يقال أيقن إذا كان مستقرا واليقين واستقرار لإيمان في القلب علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش قال الحسن البصري إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النار والشيطان من النار وفي السنن عن النبي أنه قال الغضب من الشيطان والشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوظأ وفي الحديث الآخر الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام وفي الحديث المتفق على صحته إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي وقد اشتد غضب أحدهما فقال النبي إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقد قال تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقال تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقال تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون
تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وتابعيه والمقتدين بآثارهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق